❧ الكتاب الكامل ❧

هناك إله عظيم

رحلة عقل من الشك إلى اليقين

تأليف: مصطفى الشرقاوي
إهداء

الإهداء

إلى كلِّ عقلٍ يرفض أن يُغلَق.
إلى من يسهر في الليل وعيناه مفتوحتان على السقف، يسأل نفسه: هل هناك حقًّا إله؟
إلى من أرهقته الأسئلة، وأتعبه الشكّ، وما زال يبحث.
إلى من قيل له: "لا تسأل"، فأبى إلّا أن يسأل.
إلى من ظنّ يومًا أنّ العلم ألغى الحاجة إلى الإيمان، ثم جلس وحيدًا ذات مساءٍ يتأمّل النجوم... فعاد السؤال.
هذا الكتاب ليس لمن يملك الجواب مسبقًا.
هذا الكتاب لمن يملك الشجاعة أن يبحث عنه.

تمهيد

مقدمة المؤلف

لماذا كتبتُ هذا الكتاب؟

في ليلةٍ شتوية باردة، كنتُ أجلس بجوار نافذةٍ مفتوحة على سماءٍ صافية. كان الهواء يحمل رائحة المطر الذي هطل قبل ساعة، وكانت النجوم تتلألأ كأنّها لم تكن هناك من قبل. كنتُ أتصفح موقع فيسبوك فقرأت منشورًا يتحدّث عن اكتشافاتٍ حديثة في فيزياء الكون، وفجأةً توقّفتُ عند جملة:

"أثبت العلماء أنّ المادة يمكن أن تنشأ من العدم."

قرأتها مرّة. ومرّتَين. وثلاثًا.

ثم سألتُ نفسي: هل هذا صحيح فعلًا؟ هل نظر أحدُهم في العدم — ذلك اللاشيء المطلق — ورآه يُنبِت مادةً وكواكبَ ونجومًا؟ هل أصبح الكون بلا حاجة إلى خالق؟

لم أكن أبحث عن طمأنينة مريحة. كنتُ أبحث عن الحقيقة، مهما كانت.

فبدأتُ رحلة.

رحلة في الفيزياء والمنطق. رحلة في أعماق السؤال الأقدم في تاريخ الإنسانية:

لماذا يوجد شيءٌ... بدلًا من لا شيء؟

وما وجدتُه في هذه الرحلة أذهلني.

وجدتُ أنّ كثيرًا ممّا يُقال في الفضاء الإلكتروني عن "العلم والإلحاد" مبنيٌّ على سوء فهم. وجدتُ أنّ كلماتٍ كبيرة مثل "العدم" و"الصدفة" و"التلقائية" تُستخدم بطريقة توحي بالعلم، لكنها في الحقيقة تُخفي فراغًا منطقيًّا هائلًا. وجدتُ أنّ العلم — بكلّ عظمته وإنجازاته — لا يقول ما يدّعيه بعض المتحدّثين باسمه. بل وجدتُ أنّ العلم نفسه، في أدقّ اكتشافاته وأعمق نظرياته، يقف شاهدًا صامتًا على حقيقة واحدة:

هذا الكون لم يأتِ من لا شيء.

هذا الكون له خالق.

وهذا الخالق... عظيم.

هذا الكتاب الذي بين يدَيك ليس كتاب وعظٍ أو خُطَب. وليس كتابًا يفترض أنّك مؤمنٌ ويُحاول تثبيتك. بل هو كتابٌ يفترض أنّك إنسانٌ يفكّر، وأنّك تستحقّ إجاباتٍ حقيقية لا شعاراتٍ جوفاء.

لن أطلب منك في مقدمة هذا الكتاب أن تؤمن مباشرة.

سأطلب منك فقط أن تفكّر.

سأعرض عليك الأدلة، وأترك عقلَك يفعل ما خُلِق ليفعله.

سنسير معًا — أنا وأنت — في رحلة هادئة لكن حاسمة. سنبدأ من السؤال، ونمرّ بالشكوك الكبرى، وسنفحص الادّعاءات فحصًا دقيقًا. لن أقفز إلى الجواب قبل أوانه، ولن أخفي عنك اعتراضًا من الاعتراضات. بل سأضع كلّ اعتراض على الطاولة، وسنتأمّله معًا في ضوء العقل والمنطق.

وفي النهاية... سيكون القرار قرارك.

لكنّني على ثقة بشيءٍ واحد:

إذا كنتَ صادقًا في البحث... فالحقيقة لن تخذلك.

كيف تقرأ هذا الكتاب؟

هذا الكتاب مصمَّمٌ ليُقرأ بالترتيب. كلّ فصلٍ يبني على ما قبله، وكلّ فكرةٍ تمهّد لما بعدها. إذا قفزتَ إلى الفصل العاشر قبل أن تمرّ بالخامس، فقد تفقد خيطًا مهمًّا من خيوط الرحلة.

ستجد في الكتاب حواراتٍ قصيرة بين شخصيتين:

"الباحث": إنسان يسأل ويشكّ ويبحث عن الحقيقة بصدق.

"المشكّك": صوتٌ يمثّل أقوى الاعتراضات الإلحادية بأمانة ودون تهوين.

هذه الحوارات ليست لتسخيف أحد. بل هي محاولةٌ صادقة لوضع أقوى الأفكار في مواجهة بعضها، ثم ترك المنطق يحسم.

ستجد أيضًا آياتٍ من القرآن الكريم في ثنايا الفصول. لم أضعها لأقول لك: "آمِنْ لأنّ القرآن يقول كذا." بل وضعتُها لأنّها — في كثير من الأحيان — تختصر في كلماتٍ قليلة ما يحتاج الفيلسوف إلى صفحاتٍ ليقوله. وضعتُها لتتأمّلها بعد أن يكون عقلُك قد وصل بنفسه إلى المعنى ذاته.

وعدٌ أخير

أعِدُك أنّني لن أستخفّ بعقلك. لن أقدّم لك إجاباتٍ مبتورة، ولن أتجاهل الأسئلة الصعبة. كلّ سؤال ستفكّر فيه أثناء القراءة — ستجد أنّني فكّرتُ فيه قبلك، وحاولتُ أن أعالجه بأمانة.

فهل أنت مستعدّ؟

إذن... لنبدأ.

لكن قبل أن نبدأ، دعني أصارحك بالنتيجة التي وصلتُ إليها بعد هذه الرحلة كلّها — لعلّها تشجّعك على أن تكمل:

هناك إله عظيم.

والآن... تعالَ لنرَ معًا كيف وصلتُ إلى هذا اليقين.

1
الفصل 1

الفصل الأول: في منتصف الليل... سؤال

القسم الأول: السؤال الذي لا يموت

تخيّل معي هذا المشهد.

رجلٌ يقف وحده فوق سطح بنايةٍ قديمة في أطراف المدينة. الساعة تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل. الشوارع تحته ساكنة، والعالم نائم. لكنّه لا يستطيع أن ينام.

رفع رأسه إلى السماء.

لا أضواء هنا تحجب النجوم. السماء مفتوحة على مصراعَيها، وآلاف النقاط المضيئة تنتشر في كلّ اتجاه. بعضها خافت، وبعضها يلمع بحدّة، وبعضها — كما سيعلم لاحقًا — قد انطفأ منذ ملايين السنين لكنّ ضوءه لم يصل إلينا بعد.

وفي تلك اللحظة، وبلا مقدّمات، طرق السؤال باب عقله:

كلّ هذا... من أين جاء؟

لم يكن سؤالًا أكاديميًّا باردًا. كان سؤالًا حارقًا، من ذلك النوع الذي يجعلك تشعر بصِغَرك أمام شيءٍ أكبر منك بما لا يُقاس. سؤالٌ لا يسألك عن تفاصيل الكون — بل يسألك عن الكون كلِّه: لماذا هو هنا أصلًا؟

هذا السؤال ليس جديدًا.

إنّه أقدم سؤال في تاريخ الوعي البشري. سأله الإنسان الأوّل حين نظر حوله ورأى أشجارًا وأنهارًا وسماءً وأرضًا، ولم يفهم كيف وُجِد كلّ هذا. سأله الفلاسفة اليونانيون قبل آلاف السنين. سأله الفيلسوف الألماني لايبنتز في القرن السابع عشر حين صاغه بعبارته الشهيرة:

"لماذا يوجد شيءٌ بدلًا من لا شيء؟"

وسأله — ولا يزال يسأله — كلّ إنسانٍ صادقٍ مع نفسه في لحظة هدوء.

لاحظ شيئًا مهمًّا: هذا السؤال لا يسأل "كيف" يعمل الكون. لا يسأل عن الجاذبية أو الكهرومغناطيسية أو سرعة الضوء. تلك أسئلة العلم، والعلم أجاب عن كثيرٍ منها بنجاحٍ باهر. لكنّ هذا السؤال أعمق. إنّه يسأل: لماذا يوجد شيءٌ على الإطلاق يمكن للعلم أن يدرسه؟

لماذا يوجد كونٌ بدلًا من أن لا يوجد شيء؟

الغريب أنّ هذا السؤال لا يشيخ.

كلّ عصرٍ يظنّ أنّه دفنه، فيعود. كلّ فلسفةٍ تحاول تجاوزه، فيقف في طريقها. كلّ إنسانٍ يحاول تجاهله، فيباغته في لحظة صمتٍ أو مرضٍ أو فقدان.

قد يقول لك أحدهم: "لا تشغل بالك بهذه الأسئلة الكبرى، عِش حياتك." وهذا — في الحقيقة — كمن يقول لراكب سفينةٍ في عرض البحر: "لا تسأل إلى أين نحن ذاهبون، استمتع بالمنظر." نعم، المنظر جميل. لكنّ السؤال مشروع. بل هو أهمّ سؤال يمكن أن تسأله.

لأنّ الجواب عن هذا السؤال يغيّر كلّ شيء.

إن كان الكون قد جاء من لا شيء، بلا سبب، بلا غاية — فنحن حوادث عابرة في فراغٍ لا معنى له. وإن كان وراءه خالقٌ عظيم — فالحكاية مختلفة تمامًا، ولوجودنا ثقلٌ لا يُستهان به.

فأيّ الجوابَين هو الصحيح؟

لا تستعجل. سنصل. لكن أولًا، دعنا ننظر في ما يحدث حولنا اليوم.

2
الفصل 2

الفصل الثاني: عصر الإلحاد الجديد... ما الذي تغيّر؟

في العقدَين الأخيرَين، حدث شيءٌ لافت.

انتشرت في العالم — وخاصّة عبر الإنترنت ووسائل التواصل — موجةٌ فكرية تقول بصوتٍ عالٍ وواثق:

"لا إله. الكون لا يحتاج إلى خالق. العلم فسّر كلّ شيء."

هذه الموجة لم تأتِ من فراغ. فقد ظهر في مطلع الألفية الجديدة كتّابٌ ومفكّرون غربيون حملوا هذه الراية بقوّة. كتبوا كتبًا بِيعت بالملايين، وألقوا محاضراتٍ شاهدها عشرات الملايين، وصنعوا أفلامًا وثائقية مصقولة الإنتاج. كان خطابهم ذكيًّا وجذّابًا، يمزج بين الإنجازات العلمية الحقيقية وبين استنتاجاتٍ فلسفية قُدِّمت كأنّها حقائق علمية.

وكانت رسالتهم الجوهرية واحدة:

العلم أثبت أنّ الكون لا يحتاج إلى إله.

هذه الرسالة وصلت إلى شبابنا العربي أيضًا. وصلت عبر مقاطع مترجمة ومقالات مبسّطة ونقاشات على منصّات التواصل. ولأنّ كثيرًا من شبابنا لم يجد من يجيبه بلغةٍ يفهمها — بلغة العقل والمنطق لا بلغة التخويف والزجر — فقد وجد بعضهم نفسه أمام هذه الأفكار بلا درعٍ فكري.

لكن دعنا نتوقّف لحظة ونسأل سؤالًا بسيطًا جدًّا:

هل هذا الادّعاء صحيح؟ هل أثبت العلم فعلًا أنّ الكون لا يحتاج إلى خالق؟

لنكن منصفين أولًا. لا يمكن لعاقلٍ أن ينكر إنجازات العلم الحديث. العلم فسّر لنا كيف تدور الكواكب، وكيف ينتقل الضوء، وكيف تتكاثر الخلايا، وكيف تعمل الجاذبية. العلم أعطانا الطبّ والتكنولوجيا والفضاء. ونحن ممتنّون لكلّ ذلك، ومحترمون له تمام الاحترام.

لكنّ هناك فرقًا جوهريًّا بين جملتَين:

الجملة الأولى: "العلم فسّر كيف تعمل أشياء كثيرة في الكون."

الجملة الثانية: "العلم أثبت أنّ الكون لا يحتاج إلى خالق."

الجملة الأولى صحيحة. الجملة الثانية... قفزة هائلة لا يسندها دليل.

لأنّ العلم التجريبي — بطبيعته وأدواته — يدرس "كيف" تعمل الأشياء، لا "لماذا" وُجدت أصلًا. يستطيع العلم أن يخبرك كيف تتحرّك الإلكترونات حول النواة، لكنّه لا يستطيع أن يخبرك لماذا يوجد إلكترون أو نواة من الأساس.

تخيّل أنّك وجدتَ ساعةً دقيقة الصنع في صحراء خالية. يستطيع العلم أن يفكّكها ويشرح لك كيف تعمل تُروسها ونوابضها. لكن هل يعني ذلك أنّ الساعة لا صانع لها؟ هل فَهْمُ آلية عملها يُلغي السؤال: مَن صنعها؟

بالطبع لا.

وكذلك الكون. فَهْمُ قوانينه لا يُلغي السؤال: من أوجده؟ ومن أوجد القوانين نفسها؟

إذن ما الذي حدث بالضبط؟

ما حدث هو أنّ بعض المتحدّثين باسم العلم — وليس العلم نفسه — أخذوا إنجازات العلم الحقيقية ثم بنوا عليها استنتاجاتٍ فلسفية لا تنتمي إلى العلم. ثم غلّفوا تلك الاستنتاجات بثوب العلم لتبدو كأنّها حقائق.

هذا ما يسمّيه الفلاسفة: "التهريب الفلسفي" — أن تُدخل فكرة فلسفية من الباب الخلفي وتدّعي أنّها جاءت من المختبر.

وأخطر مثال على هذا التهريب — وهو الذي سنكشفه بالتفصيل في هذا الكتاب — هو الادّعاء القائل:

"أثبت العلماء أنّ المادة يمكن أن تنشأ من العدم."

هل هذا صحيح؟ هل راقب أحدٌ العدم وهو يُنتج شيئًا؟

الجواب سيفاجئك. لكن قبل أن نصل إليه، نحتاج أولًا أن نتّفق على شيء مهم: كيف نفكّر؟ وما الفرق بين الدليل الحقيقي والادّعاء المُلبَّس؟

3
الفصل 3

الفصل الثالث: قواعد اللعبة... كيف نفكّر بشكل صحيح؟

قبل أن ندخل في صلب القضية، نحتاج أن نتّفق على قواعد التفكير. لأنّ كثيرًا من الخلافات الفكرية لا تنشأ من اختلاف الأدلة، بل من اختلاف طريقة التعامل مع الأدلة.

تخيّل أنّ شخصَين يتنازعان على نتيجة مباراة، لكنّ كلّ واحد منهما يلعب بقواعد مختلفة. أحدهما يحسب الأهداف، والآخر يحسب ركلات الركنية. لن يصلا إلى اتّفاق أبدًا — ليس لأنّ الحقيقة غامضة، بل لأنّهما لم يتّفقا على القواعد أولًا.

فما هي قواعد التفكير السليم التي سنستخدمها في هذا الكتاب؟

القاعدة الأولى: فرِّق بين "كيف" و"لماذا"

هناك نوعان من الأسئلة:

أسئلة "كيف": كيف تعمل الجاذبية؟ كيف تتشكّل النجوم؟ كيف ينقسم الجين؟

أسئلة "لماذا": لماذا يوجد كون؟ لماذا توجد قوانين؟ لماذا يوجد شيء بدلًا من لا شيء؟

العلم التجريبي يتعامل مع أسئلة "كيف" ببراعة مذهلة. يرصد الظواهر، يضع فرضيات، يجري تجارب، يصل إلى نتائج. هذا هو المنهج العلمي، وهو من أعظم ما أنتجه العقل البشري.

لكنّ أسئلة "لماذا" — خاصّة الكبرى منها — لا تقع ضمن اختصاص المختبر. لا يمكنك أن تضع سؤال "لماذا يوجد شيء بدلًا من لا شيء؟" تحت المجهر. هذا سؤال عقلي، يحتاج إلى أدوات عقلية.

ومن أخطر ما يحدث اليوم أنّ بعض الناس يرفضون أيّ جوابٍ لا يأتي من المختبر. يقولون: "إذا لم يُثبته العلم التجريبي، فهو ليس حقيقة." وهذا في حدّ ذاته مغالطة. لأنّ هذه الجملة نفسها — "لا حقيقة إلّا ما أثبته العلم التجريبي" — هي جملة فلسفية، لا يمكن إثباتها بالتجربة! إنّها تنقض نفسها بنفسها.

فالعلم أداة عظيمة، لكنّه ليس الأداة الوحيدة. والعقل أوسع من المختبر.

القاعدة الثانية: الادّعاء يحتاج إلى دليل

من أبسط قواعد المنطق: من يدّعي شيئًا، عليه أن يثبته.

إذا قال لك أحدهم: "هناك إله خلق الكون" — فمن حقّك أن تقول: "ما دليلك؟"

وبالمثل تمامًا: إذا قال لك أحدهم: "لا يوجد إله، والكون جاء من لا شيء" — فمن حقّك أن تقول: "ما دليلك؟"

الإلحاد ليس "غياب موقف". الإلحاد موقف. والموقف يحتاج إلى دليل، تمامًا كما يحتاج الإيمان إلى دليل.

في هذا الكتاب، سنطبّق هذه القاعدة على الجميع. لن نقبل أيّ ادّعاء — سواء من المؤمن أو الملحد — إلّا بدليل. لن نقبل عبارات مثل: "هذا واضح"، أو "العلم قال"، أو "الأغلبية تعتقد". سنسأل دائمًا: ما الدليل بالضبط؟

القاعدة الثالثة: انتبه للمصطلحات

واحدة من أخطر الأدوات في الجدال الفكري هي التلاعب بالمصطلحات. أن يستخدم شخصٌ كلمة لها معنى محدّد عند المتخصّصين، ثم يمرّرها للجمهور بمعنى مختلف تمامًا.

سأعطيك مثالًا حاسمًا — وهو لبّ هذا الكتاب:

كلمة "العدم".

عندما يقول فيلسوف "العدم"، يقصد: نفي الوجود نفيًا مطلقًا. لا مادة، لا طاقة، لا زمان، لا مكان، لا قوانين. لا شيء على الإطلاق.

لكن عندما يقول بعض الفيزيائيين "العدم"، يقصدون شيئًا مختلفًا تمامًا: يقصدون الفراغ الكمومي — وهو حالة فيزيائية لها خصائص وطاقة وقوانين تحكمها. هذا ليس "لا شيء"... هذا "شيء"!

الآن تخيّل أنّ أحدهم قال لك: "العلم أثبت أنّ الأشياء تظهر من العدم!" — وأنت فهمت "العدم" بمعناه الفلسفي (أي: لا شيء مطلقًا)، بينما هو يتحدّث عن فراغ فيزيائي مليء بالطاقة والقوانين. هل ترى حجم الخدعة؟

لقد مرّر لك فكرة ضخمة — "الكون لا يحتاج إلى خالق" — عبر ثغرة في كلمة واحدة.

هذا بالضبط ما سنكشفه في القسم القادم بالتفصيل. وسنرى كيف أنّ ما يُسمّى "خلقًا من العدم" في الفيزياء ليس خلقًا من عدم حقيقي على الإطلاق.

القاعدة الرابعة: اتّبع الدليل أينما قادك

هذه أهمّ قاعدة على الإطلاق.

لا تبدأ بالنتيجة ثم تبحث عن أدلة تدعمها. ابدأ بالأدلة ثم انظر إلى أين تقودك.

هذا ما فعلتُه أنا كمسلم. وهذا ما أدعوك لتفعله.

والقرآن الكريم نفسه لم يطلب من الإنسان أن يُغلق عقله. بل فعل العكس تمامًا. خاطب العقل، وطلب التفكّر، وأثار الأسئلة:

{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ} — آل عمران: 190
✦ ✦ ✦

"لأولي الألباب"... أي لأصحاب العقول. لم يقل: "لمن يؤمنون بلا تفكير." بل قال: لمن يفكّرون.

والآن، بعد أن اتّفقنا على القواعد، نحن مستعدّون لدخول الميدان.

في القسم القادم سنواجه الادّعاء الأخطر:

"العلماء راقبوا ظهور المادة من العدم."

سنأخذ هذا الادّعاء ونضعه تحت مجهر المنطق والعلم والفلسفة. وسنرى — بهدوء ودقّة — هل يصمد أم ينهار.

استعدّ. لأنّ ما ستقرأه في الصفحات القادمة قد يغيّر طريقة تفكيرك إلى الأبد.

4
الفصل 4

الفصل الرابع: "العلماء راقبوا ظهور المادة من العدم!" — حقًّا؟

القسم الثاني: خدعة العدم الكبرى

افتح هاتفك الآن. اكتب في محرّك البحث: "هل يمكن أن تنشأ المادة من العدم؟"

ستجد عشرات المقالات والمقاطع التي تقول لك بثقة مطلقة:

"نعم! العلماء أثبتوا ذلك. الجسيمات تظهر من العدم وتختفي. الكون نفسه قد يكون ظهر من العدم. لا حاجة للإله."

هذه العبارات تنتشر كالنار في الهشيم. تُشارَك ملايين المرّات. تُقال بنبرة الواثق الذي يحمل في يده مفتاح الحقيقة النهائية. وكثير ممّن يقرؤها — خاصّةً الشباب الذي يبحث عن إجابات — يقبلها دون تمحيص، لأنّها تأتي مُلبَّسة بثوب العلم.

لكن دعنا نتوقّف.

دعنا نفعل ما اتّفقنا عليه في الفصل السابق: لا نقبل أيّ ادّعاء دون فحص.

فلنسأل ببساطة:

ما الذي رآه العلماء بالضبط؟ وماذا يعنون بكلمة "العدم"؟

ما يتحدّث عنه هؤلاء هو ظاهرة حقيقية في فيزياء الكمّ تُسمّى "التقلّبات الكمومية". في هذه الظاهرة، تظهر جسيمات دون ذرّية وتختفي بسرعة هائلة في ما يُسمّيه الفيزيائيون "الفراغ الكمومي".

هذا صحيح. هذه ظاهرة مرصودة ومُثبتة تجريبيًّا.

لكنّ المشكلة ليست في الظاهرة. المشكلة في الكلمة التي تُستخدم لوصفها.

عندما يقول الفيزيائي: "ظهرت جسيمات من الفراغ"، فهو يقصد شيئًا تقنيًّا محدّدًا. لكن عندما تصل هذه الجملة إلى وسائل الإعلام والإنترنت، تتحوّل إلى: "ظهرت جسيمات من العدم!" — وهنا يبدأ الخداع.

لأنّ الفراغ الكمومي ليس عدمًا.

وهذا هو أخطر خلط مفاهيمي في النقاش المعاصر حول وجود الله.

أخطر من أيّ معادلة رياضية، وأخطر من أيّ نظرية فيزيائية. لأنّه خلطٌ يبدو بسيطًا لكنّه يُبنى عليه استنتاجٌ ضخم: "لا حاجة لخالق."

فما هو هذا الفراغ الكمومي بالضبط؟ وما الفرق بينه وبين العدم الحقيقي؟

هذا ما سنراه الآن.

5
الفصل 5

الفصل الخامس: العدم الحقيقي مقابل العدم المزيّف

لنبدأ بسؤال بسيط:

إذا قلتُ لك: "هذه الغرفة فارغة"، ماذا تفهم؟

تفهم أنّه لا أثاث فيها، ولا أشخاص، ولا أغراض. لكنّك لا تفهم أنّ الغرفة نفسها غير موجودة! الغرفة موجودة — بجدرانها وأرضيّتها وسقفها وهوائها — لكنّها "فارغة" من الأشياء التي اعتدنا رؤيتها فيها.

هل تقول إنّ هذه الغرفة "عدم"؟ بالطبع لا. هي فارغة، لكنّها ليست "لا شيء."

الآن انقل هذا التشبيه إلى الفيزياء.

الفراغ الكمومي يشبه تلك الغرفة الفارغة. هو ليس "لا شيء مطلقًا." بل هو حالة فيزيائية لها صفات محدّدة:

له طاقة. نعم، الفراغ الكمومي يحتوي على ما يسمّيه الفيزيائيون "طاقة نقطة الصفر". ليس فارغًا من الطاقة.

تحكمه قوانين. الجسيمات التي تظهر وتختفي فيه لا تفعل ذلك عشوائيًّا، بل وفق قوانين ميكانيكا الكمّ.

يقع في زمان ومكان. الفراغ الكمومي موجود ضمن إطار الزمان والمكان، وليس خارجهما.

له بنية رياضية يصفها العلماء بمعادلات دقيقة.

إذن: الفراغ الكمومي "شيء." شيء له خصائص وقوانين وطاقة. ليس "لا شيء."

أمّا العدم — بالمعنى الفلسفي الحقيقي — فهو شيء مختلف تمامًا.

العدم هو نفي الوجود نفيًا مطلقًا.

لا مادة. لا طاقة. لا زمان. لا مكان. لا قوانين. لا احتمالات. لا شيء على الإطلاق.

العدم ليس مكانًا مظلمًا فارغًا. ليس فضاءً أسود. ليس ظلامًا. لأنّ الظلام نفسه "شيء" — هو غياب الضوء في مكانٍ موجود. العدم هو غياب المكان نفسه. غياب كلّ شيء. حتى غياب الغياب.

العدم لا يُتخيَّل. لأنّ كلّ صورة تتخيّلها هي "شيء." إذا تخيّلت سوادًا — فالسواد شيء. إذا تخيّلت فراغًا — فالفراغ شيء. العدم هو ما لا يمكنك أن تتخيّله، لأنّ عقلك لا يعمل إلّا بالأشياء.

والآن لنضع الصورتَين جنبًا إلى جنب:

الفراغ الكمومي — الذي يسمّيه بعضهم "العدم":

فيه طاقة موجودة، تُسمّى طاقة نقطة الصفر. تحكمه قوانين ميكانيكا الكمّ. يقع في إطار زماني ومكاني. يمكن وصفه بمعادلات رياضية. وخلاصة الحكم عليه: إنّه شيء من الأشياء.

العدم الحقيقي — بالمعنى الفلسفي الدقيق:

لا طاقة فيه ولا وجود لها. لا قوانين تحكمه. لا زمان ولا مكان. لا شيء يُوصف بمعادلة. وخلاصة الحكم عليه: إنّه لا شيء مطلقًا.

هل ترى الفرق الآن؟

عندما يقول لك أحدهم: "الجسيمات تظهر من العدم!" — فهو في الحقيقة يقول: "الجسيمات تظهر من فراغ فيزيائي تحكمه قوانين." وهذا شيء مختلف تمامًا.

الأوّل يعني أنّ اللاشيء أنتج شيئًا — وهو ادّعاء مستحيل منطقيًّا.

الثاني يعني أنّ شيئًا أنتج شيئًا آخر — وهذا طبيعي تمامًا، لكنّه لا يُلغي السؤال: من أوجد ذلك الشيء الأوّل؟

دعني أقرّب لك الفكرة أكثر بحوارٍ قصير:

المشكّك: العلم أثبت أنّ الجسيمات تظهر من العدم. إذن الكون يمكن أن يظهر من العدم.
الباحث: أفهم ما تقوله. لكن دعني أسألك: هذا "العدم" الذي تتحدّث عنه — هل فيه قوانين فيزيائية؟
المشكّك: نعم، قوانين ميكانيكا الكمّ.
الباحث: وهل فيه طاقة؟
المشكّك: نعم، طاقة نقطة الصفر.
الباحث: وهل يقع في إطار زماني ومكاني؟
المشكّك: ... نعم.
الباحث: إذن هو ليس "عدمًا." هو "شيء" له صفات. أنت تقول: "شيء أنتج شيئًا." وهذا لا خلاف عليه. لكنّ السؤال يبقى: من أين جاء هذا الشيء الأوّل — الفراغ وقوانينه وطاقته؟
المشكّك: ...
الباحث: هل ترى؟ لم نتقدّم خطوة واحدة. السؤال ما زال قائمًا.

وهذا بالضبط ما قصده القرآن الكريم حين وضع الإنسان أمام هذا السؤال الحاسم بكلّ وضوح:

{أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} — الطور: 35
✦ ✦ ✦

تأمّل دقّة السؤال: "أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ" — أي هل وُجِدوا من عدم، من لا شيء، بلا سبب وبلا مُوجِد؟ "أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ" — أم هل خلقوا أنفسهم بأنفسهم؟

كلا الاحتمالَين مستحيل. ما تبقّى هو الاحتمال الثالث الذي لم يُذكر في الآية لأنّه واضح: هناك خالق.

{أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ} — الطور: 36
✦ ✦ ✦

"بل لا يوقنون"... المشكلة ليست في غياب الدليل. المشكلة في غياب اليقين عند من لا يريد أن يرى.

6
الفصل 6

الفصل السادس: لماذا لا يمكن اختبار العدم في المختبر؟

قد يقول قائل: "لكنّ العلماء أجروا تجارب! ألا يكفي هذا؟"

هذا سؤال ممتاز. ويستحقّ إجابة دقيقة.

نعم، أجرى العلماء تجارب رصدوا فيها ظهور جسيمات دون ذرّية في الفراغ الكمومي. هذا ثابت ولا خلاف عليه. لكنّ السؤال ليس: "هل أجروا تجارب؟" السؤال هو: "هل اختبروا العدم؟"

والجواب: لا. ومستحيل أن يفعلوا.

لماذا؟

لأنّ التجربة — أيّ تجربة — تحتاج إلى ثلاثة أشياء على الأقلّ:

مُجرِّب — إنسان يُصمّم التجربة ويراقبها.

أدوات — أجهزة قياس ومختبرات.

قوانين — قوانين فيزيائية تعمل بموجبها التجربة.

الآن فكّر: إذا كان هناك مُجرِّب وأدوات وقوانين... فهل نحن أمام "عدم"؟

بالطبع لا!

مجرّد وجود شخص يُراقب يعني أنّ الوجود قائم. مجرّد وجود أجهزة قياس يعني أنّ هناك مادة وطاقة. مجرّد وجود قوانين فيزيائية يعني أنّ هناك نظامًا.

فالعدم — في اللحظة التي تحاول اختباره — يتوقّف عن كونه عدمًا.

هذه ليست مشكلة تقنية يمكن حلّها بتطوير أجهزة أفضل. هذه مشكلة منطقية. إنّها تشبه أن تقول: "أريد أن أرى كيف يبدو العالم وأنا غير موجود." لا يمكنك — لأنّ وجودك شرطٌ لرؤيتك.

لنوضّح الأمر بمثالٍ يومي:

تخيّل أنّ شخصًا قال لك: "أريد أن أعرف ماذا يحدث في غرفتي حين لا يكون فيها أحد، فسأدخلها وأراقب."

هل ترى المفارقة؟ في اللحظة التي يدخل فيها ليراقب — لم تعد الغرفة خالية! وجوده فيها ألغى الشرط الذي يريد اختباره.

وكذلك العدم: في اللحظة التي تُهيّئ فيها شروط التجربة — قوانين وطاقة وأجهزة — لم تعد أمام عدم. أصبحتَ أمام "شيء." وكلّ ما ستراه بعد ذلك هو تفاعل بين أشياء موجودة، لا ظهور شيءٍ من لا شيء.

إذن لنلخّص:

لا يمكن إخضاع العدم للتجربة. لأنّ وجود شروط التجربة يعني غياب العدم.

وما يسمّيه بعض الفيزيائيين "نشوء الجسيمات من العدم" هو في الحقيقة نشوء جسيمات من فراغ فيزيائي تحكمه قوانين — وهو شيء مختلف تمامًا عن العدم المطلق.

الفيلسوف وليام لين كريغ لخّص الأمر بعبارة بالغة الدقّة حين قال ما معناه: "إنّ قول لورنس كراوس إنّ الكون جاء من 'لا شيء' يشبه أن يقول ساحر إنّه أخرج أرنبًا من قبّعة فارغة — ثم تكتشف أنّ القبّعة لم تكن فارغة أصلًا."

7
الفصل 7

الفصل السابع: فخّ المصطلحات... كيف تُستخدم الكلمات لخداعك

وصلنا الآن إلى نقطة مهمّة جدًّا. نقطة لا تتعلّق بالفيزياء ولا بالفلسفة، بل تتعلّق بشيءٍ أبسط وأخطر: اللغة.

اللغة هي الأداة التي نفكّر بها. وحين تُستخدم اللغة بشكل غير دقيق — عمدًا أو سهوًا — فإنّ أفكارًا خاطئة يمكن أن تتسلّل إلى عقلك دون أن تشعر.

في النقاش حول وجود الله، هناك ثلاث كلمات تُستخدم بطريقة مُضلّلة باستمرار. دعنا نفحصها واحدة واحدة.

الكلمة الأولى: "العدم"

قلنا عنها الكثير. لكن دعنا نؤكّد:

عندما يقول فيزيائي "العدم"، فهو غالبًا يقصد "الفراغ الكمومي." وعندما يقول فيلسوف "العدم"، يقصد "نفي الوجود المطلق." المشكلة أنّ الجمهور يسمع الكلمة بمعناها الفلسفي، بينما المتحدّث يقصد المعنى الفيزيائي.

والنتيجة؟ يظنّ السامع أنّ العلم أثبت أنّ "اللاشيء المطلق" يمكن أن يُنتج شيئًا. بينما العلم لم يقل ذلك قط.

القاعدة: كلّما سمعتَ كلمة "العدم" في نقاشٍ علمي، اسأل فورًا: "أيّ عدم؟ العدم الفلسفي أم الفراغ الكمومي؟"

الكلمة الثانية: "الصدفة"

يقول بعضهم: "الكون نشأ بالصدفة."

لكن ما معنى "الصدفة" بالضبط؟

الصدفة ليست قوّة. ليست سببًا. ليست شيئًا يفعل شيئًا. الصدفة هي مجرّد كلمة نصف بها جهلنا بالسبب الحقيقي.

حين تقول: "التقيتُ بصديقي صدفةً في السوق"، فأنت لا تعني أنّ قوّة اسمها "الصدفة" دفعتكما للتقاء. تعني أنّك لا تعرف سلسلة الأسباب الكاملة التي جعلتكما في المكان نفسه في الوقت نفسه. لكنّ تلك الأسباب موجودة.

فحين يقول أحدهم: "الكون نشأ بالصدفة"، فهو في الحقيقة يقول: "الكون نشأ ولا أعرف السبب." ثم يُلبِس جهله بالسبب اسمًا يبدو كأنّه تفسير.

لكنّ "لا أعرف السبب" ليست تفسيرًا. إنّها اعتراف بغياب التفسير.

القاعدة: كلّما سمعتَ كلمة "صدفة" كتفسير لشيء، اسأل: "هل تقصد أنّ هناك سببًا لا تعرفه؟ أم تقصد أنّه لا يوجد سبب؟ وإن كنتَ تقصد الثاني — فما دليلك؟"

الكلمة الثالثة: "التلقائية"

"الكون نشأ تلقائيًّا."

هذه الجملة تبدو علمية. لكنّها في الحقيقة لا تقول شيئًا.

"التلقائية" تعني أنّ شيئًا حدث بنفسه، دون تدخّل خارجي. لكنّ السؤال: كيف يحدث شيء "بنفسه" إذا لم يكن موجودًا أصلًا؟

الكوب على الطاولة لا يتحرّك "تلقائيًّا." لا بدّ من قوّة تحرّكه. الماء لا يغلي "تلقائيًّا." لا بدّ من حرارة. أمّا أن يظهر كون بأكمله — بمادّته وطاقته وقوانينه — "تلقائيًّا" من لا شيء... فهذا ليس علمًا. هذا سحر بمصطلحات علمية.

تخيّل أنّك سألتَ طبّاخًا: "كيف صنعتَ هذه الكعكة؟"، فأجابك: "صُنعت تلقائيًّا." هل تقبل هذا الجواب؟ كعكة واحدة لا تُصنع تلقائيًّا. فكيف بكون فيه مئة مليار مجرّة، في كلّ مجرّة مئة مليار نجم؟

القاعدة: كلّما سمعتَ "حدث تلقائيًّا" كتفسير نهائي، اسأل: "ما الآلية؟ ما السبب؟ ما القوّة التي جعلته يحدث؟ أم أنّك فقط تقول: لا أعرف؟"

درعك الفكري

هذه الكلمات الثلاث — العدم، الصدفة، التلقائية — هي أكثر الكلمات استخدامًا في الخطاب الإلحادي المعاصر. وهي في معظم الأحيان تُستخدم لا لتقديم إجابة حقيقية، بل لإيهامك بأنّ هناك إجابة.

فكّر فيها كـ"ثلاثة أقنعة" تختبئ خلفها جملة واحدة صادقة:

"لا نعرف كيف نشأ الكون بدون خالق."

لو قالها الملحد بهذا الوضوح، لكان صادقًا. لكنّ الصدق في هذه الحالة يعني الاعتراف بأنّ السؤال ما زال مفتوحًا — وأنّ الجواب قد يكون هو ذاك الجواب الذي يُحاول الهروب منه.

{مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا} — الكهف: 51
✦ ✦ ✦

"ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض"... لم يكونوا حاضرين حين خُلِق الكون. لم يراقبوا اللحظة الأولى. لم يروا العدم — إن كان هناك عدم — وهو يتحوّل إلى وجود. ومع ذلك يتحدّثون بيقين مطلق عمّا حدث. ألا يستحقّ هذا أن نتوقّف ونتأمّل؟

والآن، وبعد أن كشفنا خدعة العدم، وفهمنا الفرق بين العدم الحقيقي والفراغ الكمومي، وعرفنا كيف تُستخدم المصطلحات لتمرير أفكار لا تصمد أمام المنطق — نحن مستعدّون للمرحلة التالية.

مرحلة الأسئلة الكبرى.

تلك الأسئلة التي يقف أمامها الإلحاد عاجزًا، ليس لأنّه لم يحاول الإجابة عنها، بل لأنّ كلّ إجاباته تنهار تحت وطأة المنطق.

ثلاثة أسئلة فقط.

لكنّها كافية لتهزّ أساس كلّ فكرة تقول: "لا إله."

هل أنت مستعدّ لها؟

8
الفصل 8

الفصل الثامن: السؤال الأوّل — لماذا يوجد شيءٌ بدلًا من لا شيء؟

القسم الثالث: الأسئلة التي لا يستطيع الإلحاد الإجابة عنها

ها نحن نعود إليه.

السؤال الذي بدأنا به هذا الكتاب. السؤال الذي طرحه ذلك الرجل فوق السطح وهو يحدّق في النجوم. السؤال الذي لا يشيخ ولا يتقاعد ولا يقبل أن يُدفن:

لماذا يوجد شيءٌ بدلًا من لا شيء؟

في الأقسام السابقة، كشفنا أنّ الادّعاء بأنّ "المادة تظهر من العدم" ادّعاءٌ مبنيّ على خلطٍ في المصطلحات. الفراغ الكمومي ليس عدمًا. والعدم الحقيقي لا يمكن اختباره. والكلمات الكبيرة — العدم، الصدفة، التلقائية — ليست إجابات بل أقنعة.

حسنًا. فلنضع كلّ ذلك جانبًا الآن، ولنواجه السؤال وجهًا لوجه.

الكون موجود. هذا لا خلاف عليه. الكرسي الذي تجلس عليه موجود. الهواء الذي تتنفّسه موجود. النجوم التي تلمع فوقك موجودة. أنت نفسك موجود.

السؤال: لماذا؟

أمام هذا السؤال، هناك ثلاثة احتمالات — لا رابع لها:

الاحتمال الأوّل: الكون أزليّ — كان موجودًا دائمًا بلا بداية.

الاحتمال الثاني: الكون جاء من العدم المطلق — من لا شيء، بلا سبب.

الاحتمال الثالث: الكون مخلوق — أوجده شيءٌ خارجه.

لنفحص كلّ احتمال.

الاحتمال الأوّل: الكون أزليّ؟

هذه فكرة قديمة. لقرون طويلة، ظنّ كثير من الفلاسفة والعلماء أنّ الكون كان موجودًا دائمًا — لا بداية له ولا نهاية. كون أبديّ ساكن لا يتغيّر.

لكنّ القرن العشرين حمل مفاجأة مدوّية.

في عام 1929، اكتشف عالم الفلك إدوين هابل أنّ المجرّات تتباعد عن بعضها. الكون ليس ساكنًا — إنّه يتمدّد. وإذا كان الكون يتمدّد الآن، فهذا يعني أنّه كان أصغر في الماضي. وإذا عُدنا بالزمن إلى الوراء بدرجة كافية، نصل إلى نقطة كان فيها الكون كلّه مضغوطًا في نقطة متناهية الصغر، بالغة الكثافة والحرارة.

تلك اللحظة هي ما يقولون عنها "الانفجار العظيم" (Big Bang).

ونحن لن نناقش هذا المصطلح الآن وليس موضوع النقاش حول دقته لكن الانفجار العظيم لا يعني فقط أنّ المادة بدأت — بل يعني أنّ الزمان والمكان نفسهما بدآ. لم يكن هناك "قبل" الانفجار العظيم — لأنّ "القبل" تحتاج إلى زمن، والزمن نفسه لم يكن موجودًا.

ثم جاء تأكيد آخر. في عام 1965، اكتشف العالمان بنزياس وويلسون إشعاع الخلفية الكونية الميكروي — وهو أشبه بـ"صدى" الانفجار العظيم، حرارة خافتة تملأ الكون في كلّ اتجاه. كان هذا الاكتشاف بمثابة التأكيد الحاسم: الكون له بداية.

وهناك دليل ثالث: القانون الثاني للديناميكا الحرارية. هذا القانون يقول إنّ الطاقة القابلة للاستخدام في أيّ نظام مغلق تتناقص باستمرار. الكون يتّجه نحو حالة "الموت الحراري" — حيث تتوزّع الطاقة بالتساوي ولا يعود ممكنًا أن يحدث أيّ شيء. لو كان الكون أزليًّا — موجودًا منذ الأبد — لكان قد وصل إلى هذه الحالة منذ زمنٍ لا نهائي. لكنّنا ما زلنا نرى نجومًا تتوهّج وكواكب تدور وحياة تنبض. إذن: الكون ليس أزليًّا. الكون له بداية.

الاحتمال الأوّل سقط.

الاحتمال الثاني: الكون جاء من العدم المطلق؟

هذا ما ناقشناه بالتفصيل في القسم السابق. وخلاصته:

العدم المطلق — لا مادة، لا طاقة، لا زمان، لا مكان، لا قوانين — لا يمكن أن يُنتج شيئًا. لأنّ العدم بحكم تعريفه لا يملك صفات ولا قدرات ولا آليات. لا يفعل ولا يؤثّر ولا يُنتج. من لا شيء لا يأتي شيء. هذه بديهية عقلية لم يستطع أحد — في تاريخ الفلسفة والعلم — أن ينقضها.

وقد رأينا أنّ كلّ ما يُقدَّم على أنّه "خلق من العدم" في الفيزياء هو في الحقيقة تحوّلات داخل فراغ فيزيائي موجود — وليس خلقًا من عدم حقيقي.

الاحتمال الثاني سقط.

ما الذي تبقّى؟

إذا كان الكون ليس أزليًّا... وإذا كان لا يمكن أن يأتي من عدم مطلق...

فالاحتمال الوحيد المتبقّي هو:

الكون أوجده شيءٌ خارجه.

شيءٌ ليس مادّيًّا — لأنّ المادة نفسها بدأت مع الكون.

شيءٌ ليس مقيّدًا بالزمان — لأنّ الزمان نفسه بدأ مع الكون.

شيءٌ ليس مقيّدًا بالمكان — لأنّ المكان نفسه بدأ مع الكون.

شيءٌ يملك القدرة على الإيجاد — لأنّه أوجد كونًا بأكمله.

شيءٌ يملك الإرادة والاختيار — لأنّه "قرّر" أن يوجد الكون بدلًا من أن لا يوجد.

سنعود إلى هذه الصفات بالتفصيل في القسم الرابع. لكن لاحظ الآن كيف أنّ المنطق وحده — بدون أيّ نصّ ديني — يقودنا إلى هذه النتيجة.

لكنّ هذا السؤال ليس الوحيد. هناك سؤالان آخران لا يقلّان خطورة. وكلاهما يُعمّق الحُجّة ويشدّ الحبل أكثر.

9
الفصل 9

الفصل التاسع: السؤال الثاني — من أين جاءت القوانين؟

لنفترض — جدلًا — أنّ شخصًا أقنع نفسه بطريقة ما أنّ الكون "وُجد بلا سبب." حتى لو قَبِلنا هذا الافتراض المستحيل، فسيبقى أمامه سؤال لا مهرب منه:

من أين جاءت القوانين التي يعمل بها هذا الكون؟

انظر حولك.

كلّ شيء في هذا الكون يسير وفق قوانين. التفّاحة تسقط من الشجرة — لا تطير إلى السماء. الماء يتجمّد عند صفر درجة مئوية — لا عند خمسين. الضوء يسير بسرعة محدّدة — لا أسرع ولا أبطأ. الإلكترونات تدور حول النوى بطرق محدّدة. الكواكب تدور حول النجوم في مدارات يمكن حسابها بدقّة مذهلة.

هذه ليست فوضى. هذا نظام.

نظامٌ رياضيّ بالغ الدقّة يمكن التعبير عنه بمعادلات. نظامٌ جعل آينشتاين نفسه يقول ما معناه إنّ أكثر ما لا يمكن فهمه في الكون هو أنّه قابل للفهم.

فكّر في هذا: لماذا يكون الكون قابلًا للفهم أصلًا؟ لماذا تعمل الرياضيات — وهي اختراع بشري مجرّد — في وصف الكون بدقّة مذهلة؟ لماذا يبدو كأنّ الكون "مكتوبٌ بلغة رياضية"، كما قال غاليليو؟

الآن دعنا نسأل السؤال المحوري:

هل القوانين تخلق نفسها؟

هنا يجب أن نفرّق بين شيئين مهمّين:

القوانين تصف سلوك الأشياء. قانون الجاذبية يصف كيف تتجاذب الأجسام. لكنّه لا يخلق الأجسام.

القوانين لا تُنشئ الأشياء. قواعد لعبة الشطرنج تصف كيف تتحرّك القطع. لكنّ القواعد لا تصنع القطع ولا تصنع اللوح ولا تبدأ اللعبة.

تخيّل أنّك وجدتَ كتابًا فيه قواعد لعبة معقّدة — قواعد دقيقة ومحكمة ومتّسقة. هل تقول: "هذه القواعد كتبت نفسها بنفسها"؟ أم تقول: "لا بدّ أنّ عقلًا ذكيًّا كتبها"؟

الجواب واضح.

وكذلك قوانين الكون. إنّها "قواعد اللعبة الكونية." وهي أدقّ وأعقد وأكثر إحكامًا من أيّ شيء اخترعه البشر. فمن كتبها؟

المشكّك: ربّما القوانين موجودة بذاتها. ربّما هي أزلية.
الباحث: لكنّنا أثبتنا أنّ الكون له بداية. والقوانين مرتبطة بالكون — فهي تصف سلوك مادّته وطاقته. إذا لم تكن المادة والطاقة موجودتَين قبل "الانفجار العظيم"، فما الذي كانت تصفه هذه القوانين؟
المشكّك: ربّما القوانين موجودة بشكل مجرّد، خارج الكون.
الباحث: هذا اعتراف خطير. لأنّك الآن تقول إنّ هناك شيئًا "خارج الكون" — شيئًا غير مادّي، موجود بذاته، له القدرة على تنظيم الكون. ألا يبدو هذا مألوفًا؟ ألا يبدو قريبًا جدًّا ممّا يسمّيه المؤمنون... الله؟
المشكّك: ...
الباحث: الفرق أنّ المؤمن يقول: هناك مدبر حكيم مريد وضع القوانين. والملحد يقول: القوانين وُجدت بلا حكمة ولا إرادة. أيّهما أكثر منطقية؟ أن تأتي قوانين بهذه الدقّة من خالق حكيم ... أم من لا شيء؟
{هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ} — لقمان: 11
✦ ✦ ✦

تأمّل قوّة هذا التحدّي. لا يقول: "آمِنوا وكفى." بل يقول: انظروا إلى هذا الخلق — بنظامه وقوانينه ودقّته — ثم أخبروني: من غير الله يستطيع أن يفعل مثل هذا؟ أين البديل؟ أين التفسير الآخر؟

10
الفصل 10

الفصل العاشر: السؤال الثالث — لماذا هذا الضبط المذهل؟

إذا كان سؤال "لماذا يوجد شيء؟" يهزّ الأساس، وسؤال "من أين جاءت القوانين؟" يهزّ الجدران — فإنّ هذا السؤال الثالث يهزّ السقف.

هذا السؤال لا يسأل فقط عن وجود القوانين. بل يسأل: لماذا هي بهذه الدقّة المذهلة بالذات؟

اكتشف العلماء في العقود الأخيرة شيئًا مدهشًا: الكون الذي نعيش فيه لا يعمل بأيّ قوانين عشوائية. بل يعمل بثوابت فيزيائية مضبوطة بدقّة لا يتخيّلها عقل. ولو تغيّر أيّ واحد من هذه الثوابت بمقدار ضئيل جدًّا — ضئيل بشكل لا يمكنك تصوّره — لما وُجد كونٌ يصلح للحياة. بل لما وُجدت نجوم أو ذرّات أو أيّ شيء.

دعني أعطيك أمثلة:

قوّة الجاذبية

لو كانت قوّة الجاذبية أقوى بجزء واحد من بين عشرة آلاف مليار مليار مليار مليار (10⁴⁰) — نعم، هذا الرقم — لانهارت النجوم على نفسها قبل أن تتشكّل. ولو كانت أضعف بالمقدار نفسه، لما تجمّعت المادة لتكوّن نجومًا أصلًا.

إطفاء أو إشعال. بهامش لا يُرى.

القوّة النووية القوية

هذه القوّة هي التي تمسك أجزاء نواة الذرّة معًا. لو كانت أقوى بـ 2% فقط، لما تكوّن الهيدروجين — الوقود الأساسي للنجوم. ولو كانت أضعف بـ 5%، لما تكوّنت عناصر أثقل من الهيدروجين — لا كربون، لا أكسجين، لا حياة.

نسبة ضئيلة. والفرق بين كون مليء بالحياة... وكون ميّت فارغ.

الثابت الكوني (الطاقة المظلمة)

هذا هو الرقم الذي يُذهل العقل أكثر من أيّ رقم آخر.

الثابت الكوني — الذي يتحكّم في تسارع تمدّد الكون — مضبوط بدقّة تبلغ جزءًا واحدًا من 10¹²⁰ (واحد وأمامه 120 صفرًا). لو كان أكبر بقليل — لتمزّق الكون قبل أن تتشكّل أيّ مجرّة. ولو كان أصغر بقليل — لانهار الكون على نفسه فورًا.

لنحاول أن نفهم حجم هذا الرقم. تخيّل أنّك في صحراء تمتدّ من هنا إلى أبعد مجرّة يمكن رصدها. وفي مكان ما في هذه الصحراء، هناك حبّة رمل واحدة مطلية باللون الأحمر. وأنت معصوب العينَين. ومطلوب منك أن تنحني وتلتقط تلك الحبّة بالتحديد... من المحاولة الأولى.

هذا هو حجم "الحظّ" المطلوب لتفسير ضبط الثابت الكوني بالصدفة.

هل هذا معقول؟

ليس ثابتًا واحدًا... بل عشرات

والأمر لا يتوقّف عند ثابت واحد. هناك عشرات الثوابت الفيزيائية التي يجب أن تكون كلّها مضبوطة في آنٍ واحد:

نسبة كتلة البروتون إلى الإلكترون.

سرعة الضوء.

ثابت بلانك.

شحنة الإلكترون.

وغيرها الكثير.

كلّها مضبوطة. كلّها متناسقة. كلّها متكاملة. كأنّها سيمفونية كُتبت بعناية مطلقة — لا نشاز فيها ولا خطأ.

رد الإلحاد: "الأكوان المتعدّدة"

يعرف كثير من الملحدين أنّ الضبط الدقيق حجّة ساحقة. لذلك ابتكروا فرضية لمحاولة الهروب:

"ربّما هناك عدد لا نهائي من الأكوان، ونحن صادف أن نعيش في الكون الذي جاءت ثوابته مناسبة للحياة."

هذه فرضية "الأكوان المتعدّدة" (Multiverse).

لنفحصها:

أوّلًا: لا يوجد أيّ دليل تجريبي على وجود أكوان أخرى. صفر. هذه فرضية فلسفية بحتة، ليست نظرية علمية مُثبتة.

ثانيًا
حتى لو افترضنا وجود أكوان كثيرة — فمن أين جاءت تلك الأكوان؟ ومن وضع القوانين التي تولّدها؟ لم نحلّ المشكلة، بل نقلناها خطوة إلى الوراء.
ثالثًا
تأمّل ما يحدث هنا. الملحد يرفض فكرة إله واحد — لأنّه "غير مرئي" و"غير قابل للاختبار" — ثم يقبل فكرة عدد لا نهائي من الأكوان غير المرئية وغير القابلة للاختبار! أليس هذا تناقضًا؟
المشكّك: لكن فكرة الأكوان المتعدّدة ممكنة نظريًّا.
الباحث: وفكرة الإله ممكنة نظريًّا أيضًا. الفرق أنّ الإله تفسير واحد بسيط يفسّر كلّ شيء — الوجود والقوانين والضبط. بينما الأكوان المتعدّدة تفسير معقّد بلا نهاية ولا يفسّر أصل القوانين نفسها. فأيّهما أقرب للعقل: تفسير واحد أنيق... أم تفسير يحتاج إلى عدد لا نهائي من الافتراضات؟
المشكّك: ...
الباحث: في العلم، هناك مبدأ يسمّونه "شفرة أوكام" — وهو أنّ التفسير الأبسط الذي يشرح الظاهرة هو على الأرجح الصحيح. تفسير واحد — خالق واعٍ قادر — أبسط بما لا يُقاس من تريليونات تريليونات الأكوان المفترضة.
{أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} — الأنبياء: 30
✦ ✦ ✦

"أفلا يؤمنون"... بعد كلّ هذه الأدلة، بعد كلّ هذا الضبط المذهل، بعد كلّ هذا الإحكام الذي يتحدّى كلّ فكرة عن الصدفة والعشوائية — ألا يكفي هذا؟

لنجمع الخيوط

ثلاثة أسئلة. ثلاث ضربات.

السؤال الأوّل: لماذا يوجد شيء بدلًا من لا شيء؟ ← الكون ليس أزليًّا، ولا يمكن أن يأتي من عدم. إذن: له مُوجِد.

السؤال الثاني: من أين جاءت القوانين؟ ← القوانين لا تخلق نفسها، ولا تخلق الأشياء. إذن: هناك خالق وضعها.

السؤال الثالث: لماذا هذا الضبط المذهل؟ ← الضبط الدقيق لا يمكن تفسيره بالصدفة ولا بالأكوان المتعدّدة. إذن: هناك قصد وإرادة.

هل بدأت الصورة تتّضح؟ هناك إله عظيم

في القسم القادم، سنجمع هذه الخيوط كلّها، وسنبني البرهان كاملًا، ونواجه أقوى اعتراض يُطرح: "مَن خلق الله؟"

والجواب — كما سترى — أبسط وأقوى ممّا تتخيّل.

11
الفصل 11

الفصل الحادي عشر: لماذا يخاف البعض من الجواب؟

القسم الرابع: الإله... الجواب الذي يتحاشاه الكثيرون

قبل أن نصل إلى البرهان النهائي، أريد أن أتوقّف معك عند شيءٍ لا يُقال كثيرًا في هذا النقاش. شيءٌ لا علاقة له بالمنطق ولا بالعلم، لكنّه يفسّر كثيرًا ممّا نراه.

أريد أن أتحدّث عن الخوف.

في كلّ نقاشٍ حول وجود الله، هناك طبقة ظاهرة وطبقة مخفيّة.

الطبقة الظاهرة هي الأدلة والاعتراضات والمنطق والعلم — وهذا ما تناولناه حتى الآن.

أمّا الطبقة المخفيّة — التي نادرًا ما يعترف بها أحد — فهي: لماذا يرفض بعض الناس فكرة الإله حتى قبل أن يفحصوا الأدلة؟

لأنّ الحقيقة — التي يعرفها كلّ من خاض نقاشًا معمّقًا مع ملحدين — هي أنّ كثيرًا من حالات الإلحاد لا تبدأ من الدليل. بل تبدأ من الشعور. ثم يأتي الدليل لاحقًا ليبرّر الشعور.

فما هي هذه المشاعر؟

الخوف الأوّل: المسؤولية

إذا كان هناك إله — فهناك حساب. إذا كان هناك حساب — فأنا مسؤول عن أفعالي. وإذا كنتُ مسؤولًا عن أفعالي — فلا أستطيع أن أفعل ما أشاء دون عواقب.

هذا خوفٌ لا يُعبَّر عنه بصراحة. لا أحد يقول: "أنا ملحد لأنّني لا أريد أن أكون مسؤولًا." لكنّ هذا الدافع — في أعماق النفس — أقوى ممّا نتخيّل.

الكاتب الإنجليزي ألدوس هكسلي اعترف بهذا بوضوح نادر حين قال ما معناه إنّه ورفاقه أرادوا أن يؤمنوا بأنّ العالم بلا معنى، لأنّ غياب المعنى يحرّرهم من القيود الأخلاقية.

هذا اعتراف صريح: ليس الدليل هو ما قاد إلى الإلحاد — بل الرغبة في التحرّر من المسؤولية.

الخوف الثاني: الخلط بين الإله والمؤسّسة الدينية

كثير من الذين يرفضون فكرة الإله لا يرفضون الإله فعلًا — بل يرفضون صورة مشوّهة عن الإله تلقّوها من تجارب سيّئة.

ربّما نشأ أحدهم في بيئة دينية متشدّدة قمعت أسئلته. ربّما رأى تناقضات عند بعض المتديّنين. ربّما ربط الدين بالعنف أو الجهل أو التخلّف — لأنّ هذا ما رآه حوله.

وهذا خطأ يمكن تفهّمه. لكنّه يبقى خطأً.

لأنّ السؤال ليس: "هل المتديّنون كاملون؟" — بالطبع لا. السؤال هو: "هل الإله موجود؟" وهذان سؤالان مختلفان تمامًا.

رفض الإله بسبب سلوك بعض المؤمنين يشبه رفض الرياضيات بسبب معلّم رياضيات سيّئ. المعلّم قد يكون سيّئًا — لكنّ الرياضيات تبقى صحيحة.

الخوف الثالث: الكبرياء الفكري

هناك خوفٌ آخر، أكثر دقّة وأصعب اعترافًا: خوف الاعتراف بأنّ هناك شيئًا أعظم منّي.

في عصر يُمجَّد فيه الإنسان ويُوضع في مركز كلّ شيء — يصبح الاعتراف بوجود كيانٍ أعلى وأعظم وأعلم نوعًا من "التنازل." وبعض الناس لا يطيقون هذا التنازل.

لكنّ الحقيقة أنّ هذا ليس تنازلًا. إنّه أمانة. الأمانة الفكرية تعني أن تتبع الدليل أينما قادك — حتى لو قادك إلى مكانٍ لا يريحك. حتى لو قادك إلى الاعتراف بأنّك لست مركز الكون.

لماذا أقول هذا؟

لا أقوله لأتّهم كلّ ملحد بسوء النيّة. أعلم أنّ هناك ملحدين يبحثون عن الحقيقة.

لكنّني أقوله لسببٍ واحد: لأنّ الأمانة الفكرية تبدأ بفحص الذات.

قبل أن تسأل "هل الأدلة كافية؟"، اسأل نفسك أوّلًا: "هل أنا مستعدّ فعلًا لقبول الجواب؟ أم أنّني قرّرتُ الرفض مسبقًا وأبحث عن مبرّرات؟"

إذا كنتَ صادقًا في بحثك — فاقرأ ما سيأتي بقلبٍ مفتوح. لأنّ البرهان الذي سنعرضه الآن ليس معقّدًا ولا غامضًا. إنّه واضحٌ وضوح الشمس. وكلّ ما يحتاجه هو عقلٌ منصف.

12
الفصل 12

الفصل الثاني عشر: البرهان الكوني — الدليل العقلي على وجود الإله

وصلنا.

بعد كلّ هذه الرحلة — من السؤال الأوّل في الليل، إلى خدعة العدم، إلى الأسئلة الثلاثة التي لا يملك الإلحاد جوابًا عنها — وصلنا إلى اللحظة التي نجمع فيها كلّ الخيوط.

البرهان الذي سأعرضه الآن ليس اختراعًا جديدًا. إنّه أقدم برهان عقلي في تاريخ الفكر البشري، وأقواه، وأبسطه. عرفه فلاسفة اليونان، وصاغه المتكلّمون المسلمون، وأعاد صياغته فلاسفة العصر الحديث. ورغم آلاف السنين من المحاولات — لم يستطع أحد نقضه.

يُسمّى: البرهان الكوني (The Cosmological Argument).

وهو يقوم على ثلاث مقدّمات بسيطة:

المقدّمة الأولى: كلّ ما بدأ في الوجود لا بدّ له من سبب.

هل هذه المقدّمة تحتاج إلى إثبات؟ في الحقيقة، هي بديهية من بديهيات العقل. لم يقل عاقل قط إنّ شيئًا يمكن أن يبدأ في الوجود بلا سبب.

إذا سمعتَ انفجارًا في الشارع — فأوّل ما تسأله: "ما السبب؟" لا يخطر ببالك أنّ الانفجار "حدث بلا سبب." إذا وجدتَ سيارة جديدة أمام بيتك — لا تقول: "ظهرت من العدم." بل تسأل: "من وضعها هنا؟"

هذا ليس مبدأً دينيًّا. إنّه مبدأ عقلي يقوم عليه كلّ العلم. لأنّ العلم نفسه مبنيّ على البحث عن أسباب الظواهر. لو كانت الأشياء تحدث بلا أسباب — لانهار العلم كلّه.

المقدّمة الثانية: الكون بدأ في الوجود.

وهذا ما أثبتناه بالأدلة العلمية:

تمدّد الكون يدلّ على أنّه كان في نقطة بداية وهذا الأمر أطلقوا عليه اسم (الانفجار العظيم).

إشعاع الخلفية الكونية يؤكّد وجود لحظة بداية.

القانون الثاني للديناميكا الحرارية يستبعد أن يكون الكون أزليًّا.

الكون بدأ. هذا إجماع علمي.

النتيجة: إذن، الكون له سبب.

هذه النتيجة تتبع المقدّمتَين بالضرورة المنطقية. إذا كان كلّ ما بدأ في الوجود له سبب، والكون بدأ في الوجود — فالكون له سبب.

لكنّ البرهان لا يتوقّف هنا. لأنّ السؤال الطبيعي هو: ما صفات هذا السبب؟

صفات سبب الكون

لنفكّر منطقيًّا:

1. خارج المادة: لأنّ المادة نفسها بدأت مع الكون. فسبب الكون لا يمكن أن يكون مادّيًّا.

2. خارج الزمان: لأنّ الزمان بدأ مع الكون. فسبب الكون لا يقع في الزمان — أي أنّه أزلي، لا بداية له.

3. قادر قدرة هائلة: لأنّه أوجد كونًا فيه كلّ هذه المادة والطاقة والمجرّات والنجوم.

4. مريد — يملك اختيارًا وإرادة: وهذه نقطة بالغة الأهمية. لماذا؟

لأنّ السبب إذا كان "آلية عمياء" — أي سببًا ميكانيكيًّا بلا إرادة — فإنّه كلّما وُجد السبب وُجد المسبَّب. أي أنّ الكون كان يجب أن يوجد منذ الأزل مع وجود سببه. لكنّ الكون بدأ في لحظة محدّدة. وهذا يعني أنّ السبب اختار أن يُوجد الكون في تلك اللحظة بالذات. والاختيار يحتاج إلى إرادة. والإرادة تحتاج إلى وعي.

5. واحد: لأنّ التعدّد يحتاج إلى مميِّز — أي سبب يجعل أحدهما مختلفًا عن الآخر — وهذا يقودنا إلى تسلسل لا نهائي. والأبسط — والأقرب للعقل — أنّ السبب واحد.

لنجمع الصفات:

غير مادّي.

أزلي — لا بداية له.

قادر قدرة مطلقة.

مريد — يملك إرادة واختيارًا.

واعٍ.

واحد.

هل هذه الصفات تذكّرك بشيء؟

هذا هو الله.

ليس إله الخرافات والأساطير. بل الإله الذي يقودك إليه العقل خطوة بخطوة، حين تتّبع الدليل بصدق.

{اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} — البقرة: 255
✦ ✦ ✦

تأمّل: "الحيّ" — الواعي الحيّ بذاته. "القيّوم" — القائم بنفسه المقيم لغيره. "له ما في السماوات وما في الأرض" — مصدر كلّ شيء ومالكه. هذا ليس وصفًا شعريًّا. إنّه وصفٌ دقيق لِما يقودنا إليه المنطق حرفيًّا.

13
الفصل 13

الفصل الثالث عشر: ماذا عن "مَن خلق الله؟"

أعلم أنّ هذا السؤال يدور في ذهنك الآن. وأعلم أنّه يبدو قويًّا في الوهلة الأولى. بل هو السؤال الأوّل الذي يطرحه كثير من المشكّكين بنبرة انتصار:

"إذا كان كلّ شيء يحتاج إلى سبب — فمن خلق الله؟"

هذا السؤال يبدو ذكيًّا. لكنّه في الحقيقة يحتوي على مغالطة منطقية واضحة. وحين نكشفها — ينهار السؤال تمامًا.

أين المغالطة؟

لنعُد إلى المقدّمة الأولى من البرهان الكوني:

"كلّ ما بدأ في الوجود لا بدّ له من سبب."

لاحظ بدقّة: المقدّمة لا تقول "كلّ شيء له سبب." بل تقول: "كلّ ما بدأ في الوجود" له سبب.

هذا فرق جوهري.

الكون بدأ في الوجود — لذلك يحتاج إلى سبب.

لكنّ الله — كما أوصلنا المنطق — لم يبدأ في الوجود. إنّه أزلي. لا بداية له. وإذا لم تكن له بداية — فهو لا يحتاج إلى سبب.

سؤال "مَن خلق الله؟" يفترض أنّ الله "بدأ" في الوجود ويحتاج إلى خالق. لكنّ هذا الافتراض يتناقض مع ما وصلنا إليه: سبب الكون أزلي بطبيعته — وإلّا لما كان هو السبب الأوّل.

لنوضّح بمثال

تخيّل سلسلة من قطع الدومينو. كلّ قطعة تسقط لأنّ القطعة التي قبلها أسقطتها.

لكن ما الذي أسقط القطعة الأولى؟

لا بدّ أن يكون هناك شيء ليس قطعة دومينو — شيء خارج السلسلة — هو الذي بدأ الحركة. يدٌ دفعت القطعة الأولى.

هل تسأل: "ومن دفع اليد؟" يمكنك. لكنّك ستصل في النهاية إلى شيءٍ لم يُدفع — شيءٍ تحرّك بذاته، بإرادته.

هذا هو ما يسمّيه الفلاسفة: "واجب الوجود" — الموجود الذي يوجد بذاته، لا يحتاج إلى شيء آخر لإيجاده. كلّ شيء آخر يعتمد عليه، وهو لا يعتمد على شيء.

والبديل؟ البديل هو التسلسل اللانهائي — أي أنّ كلّ سبب له سبب، إلى ما لا نهاية. لكنّ التسلسل اللانهائي الفعلي مستحيل. لأنّك لو عُدتَ بالأسباب إلى الوراء إلى ما لا نهاية — لما وصلتَ أبدًا إلى اللحظة الحاضرة. كأنّك تقول لعدّاء: "اركض مسافة لا نهائية ثم أخبرني حين تصل." لن يصل. أبدًا.

إذن: لا بدّ من سبب أوّل. وهذا السبب الأوّل لا يحتاج إلى سبب — لأنّه لم يبدأ.

حوار أخير في هذا الفصل

المشكّك: لكنّ هذا يبدو وكأنّكم تصنعون استثناءً خاصًّا لله.
الباحث: لا. هذا ليس استثناءً. إنّه نتيجة. المنطق نفسه هو الذي أوصلنا إلى أنّ سبب الكون يجب أن يكون أزليًّا. لم نبدأ بافتراض أنّ الله أزلي — بل وصلنا إلى ذلك عبر التحليل.
المشكّك: لكنّ "واجب الوجود" مفهوم صعب.
الباحث: ليس بالضرورة. فكّر فيه هكذا: هل يمكن أن تكون الأرقام كلّها أصفارًا؟ لا.

لا بدّ أن يكون هناك رقم ليس صفرًا ليبدأ العدّ. وكذلك الوجود: لا يمكن أن تكون كلّ الموجودات "مُحتاجة" إلى غيرها. لا بدّ أن يكون هناك موجود غير محتاج — موجود بذاته — هو أساس كلّ شيء آخر.

المشكّك: وإذا قلتُ إنّ الكون نفسه هو "واجب الوجود"؟
الباحث: لكنّنا أثبتنا أنّ الكون ليس أزليًّا. ما بدأ لا يمكن أن يكون واجب الوجود. واجب الوجود لا يبدأ ولا ينتهي ولا يتغيّر في جوهره.
المشكّك: ...
الباحث: ثم فكّر في أمرٍ آخر. الكون مادّي — وكلّ مادّة قابلة للتحلّل والتغيّر والفناء. ما يقبل الفناء لا يكون واجب الوجود. واجب الوجود ليس مادّيًّا — وهذا بالضبط ما وصلنا إليه: سبب الكون خارج المادة.

تخيّل هذا المشهد الأخير

تخيّل أنّك تمشي في صحراء مقفرة. لا شيء حولك إلّا الرمال. فجأة تجد قصرًا شاهقًا في وسط الصحراء. قصرٌ بأعمدة رخامية ونوافذ زجاجية ملوّنة وحدائق داخلية وأنظمة ريّ معقّدة.

هل تقول: "جاء من لا شيء"؟

هل تقول: "بناه الرمل بنفسه"؟

هل تقول: "ظهر بالصدفة"؟

أم تقول: "لا بدّ أنّ عقلًا بناه"؟

الجواب واضح لكلّ عاقل.

والكون أعقد من أيّ قصر بما لا يُقاس. فيه مئة مليار مجرّة. في كلّ مجرّة مئة مليار نجم. حول كثير من النجوم كواكب. وعلى أحد تلك الكواكب — حياة. والحياة فيها خلايا. وفي كلّ خلية شفرة وراثية تحمل معلومات تفوق كلّ ما كتبه البشر في تاريخهم.

فمن الذي بنى هذا "القصر"؟

{أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ● وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ● وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ● وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} — الغاشية: 17-20
✦ ✦ ✦

"أفلا ينظرون"... دعوة بسيطة. لا تطلب منك أكثر من أن تنظر. أن تفتح عينيك. أن تتأمّل. وحين تتأمّل بصدق — فالجواب لا يحتاج إلى آلاف الصفحات.

الجواب واضح:

هناك إله عظيم.

وقد يقول قائل: "حسنًا، اقتنعتُ عقليًّا. لكن هل هناك المزيد؟ هل هناك ما يتجاوز البرهان العقلي؟"

نعم. هناك ما يتجاوزه بكثير. وهذا ما سنراه في القسم الأخير.

14
الفصل 14

الفصل الرابع عشر: عندما يتكلّم الكون

القسم الخامس: ما بعد الدليل

في الفصول السابقة، سلكنا طريق العقل والمنطق. بنَينا البرهان خطوة بخطوة. فنّدنا الادّعاءات. واجهنا الاعتراضات. ووصلنا إلى نتيجة واضحة: الكون له خالق — عظيم، قادر، مريد، حكيم.

والآن: أطفئ هاتفك لدقيقة. أغمض عينيك. ثم افتحهما ببطء وانظر. فقط انظر.

انظر إلى يدك. خمسة أصابع. كلّ إصبع فيه ثلاث سلاميات — إلّا الإبهام، فيه اثنتان — لأنّه يحتاج إلى مرونة أكبر ليقابل بقيّة الأصابع. بصمة كلّ إصبع فريدة — لا يشاركك فيها أحدٌ من بين ثمانية مليارات إنسان على وجه الأرض. تحت الجلد، شبكة من الأوعية الدموية تحمل الأكسجين إلى كلّ خلية. وأعصاب تنقل الإحساس في أجزاء من الألف من الثانية. كلّ هذا... في يدك فقط.

الآن ارفع رأسك وانظر إلى السماء.

تلك النجمة التي تراها — قد تكون شمسًا أكبر من شمسنا بمئة مرّة، وتبعد عنك مئات السنين الضوئية. السنة الضوئية الواحدة تساوي حوالي عشرة تريليونات كيلومتر. ومع ذلك — ضوؤها وصل إلى عينيك. قطع كلّ تلك المسافة ليصل إلى شبكيّتك، فتحوّله أعصابك إلى إشارات كهربائية، فيترجمها دماغك إلى صورة. وكلّ هذا يحدث في لحظة.

ثم اقترب أكثر. انظر إلى ورقة شجر.

خلية نباتية واحدة تقوم بعملية التمثيل الضوئي — تأخذ ضوء الشمس وثاني أكسيد الكربون والماء وتحوّلها إلى سكّر وأكسجين. العلماء يحاولون تقليد هذه العملية منذ عقود بأحدث التقنيات — ولم ينجحوا في مضاهاة كفاءة ورقة شجر واحدة.

ثم انزل أعمق. انظر داخل جسدك.

في كلّ خلية من خلاياك — وعددها حوالي 37 تريليون خلية — يوجد جزيء الـ DNA. خيطٌ رفيع لو فردته لبلغ طوله مترَين. لكنّه ملفوف بإحكام داخل نواة أصغر من رأس الدبّوس. وهذا الخيط يحمل ثلاثة مليارات حرف من الشفرة الوراثية — تعليمات بناء جسدك كلّه. من لون عينيك إلى طريقة عمل قلبك إلى شكل أذنك.

ثلاثة مليارات حرف. في كلّ خلية. مرتّبة بدقّة. بلا خطأ واحد يذكر.

هل كُتبت هذه الشفرة بالصدفة؟

لن أجادلك. لن أقدّم لك حسابات احتمالية. سأترك لك فقط هذه الأسئلة وأنت تتأمّل:

من جعل الماء يتمدّد حين يتجمّد — عكس كلّ المواد تقريبًا — حتى يطفو الجليد على سطح البحيرات فلا تموت الأسماك تحته؟

من جعل الأرض تميل بزاوية 23.5 درجة بالضبط — فتتعاقب الفصول الأربعة وتتنوّع الحياة؟

من جعل القمر على المسافة المثالية من الأرض — فيضبط المدّ والجزر ويثبّت محور دوران الأرض؟

من جعل طبقة الأوزون بالسُّمك المناسب تمامًا لتحمينا من الأشعّة فوق البنفسجية القاتلة — لا أكثر فتحجب الضوء الضروري، ولا أقلّ فتقتلنا؟

من جعل قلبك ينبض مئة ألف مرّة في اليوم — دون أن تطلب منه ذلك، ودون أن تتذكّره — منذ أن كنتَ جنينًا في بطن أمّك؟

{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ● الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ} — آل عمران: 190-191
✦ ✦ ✦

"ما خلقتَ هذا باطلًا"... هذه ليست نتيجة وعظ. هذه نتيجة تفكّر. الآية لم تقل: "الذين لا يسألون." بل قالت: "الذين يتفكّرون." تأمّلوا — وحين تأمّلوا بصدق — وصلوا من تلقاء أنفسهم إلى اليقين: هذا ليس باطلًا. هذا ليس عبثًا. وراء كلّ هذا... خالق عظيم.

العالم الفيزيائي فريد هويل — الذي كان ملحدًا — درس التفاعلات النووية التي تُنتج الكربون داخل النجوم. ووجد أنّها تحتاج إلى مستوى طاقة محدّد بدقّة مذهلة. لو اختلف قليلًا لما وُجد كربون — ولما وُجدت حياة. هذا الاكتشاف هزّه حتى قال ما معناه إنّ تفسير هذه الحقائق بالعقل المجرّد يوحي بقوّة أنّ هناك عقلًا فائقًا تلاعب بالفيزياء.

من ملحد. بالفيزياء وحدها. وصل إلى الخالق.

15
الفصل 15

الفصل الخامس عشر: الفطرة... الصوت الذي بداخلك

هناك شيءٌ غريب في الإنسان.

شيءٌ لا تملكه الحيوانات ولا الآلات ولا أيّ كائن آخر نعرفه في هذا الكون.

الإنسان يسأل عن المعنى.

لا يكتفي بالأكل والشرب والنوم والتكاثر. بل يرفع رأسه ويسأل: لماذا أنا هنا؟ ما الغاية من وجودي؟ هل لحياتي معنى؟

الأسد لا يسأل هذا السؤال. الشجرة لا تسأله. الكمبيوتر لا يسأله. أنت وحدك — الإنسان — تسأله.

لماذا؟

إذا كان الإنسان مجرّد مجموعة ذرّات تجمّعت بالصدفة في كون بلا معنى — فلماذا يشعر بالحاجة إلى المعنى؟ من أين جاء هذا الشعور؟

تأمّل: كلّ شعور فطري في الإنسان يقابله شيءٌ حقيقي في الخارج.

تشعر بالعطش — لأنّ هناك ماءً.

تشعر بالجوع — لأنّ هناك طعامًا.

تشعر بالرغبة في الحبّ — لأنّ هناك من يُحبّ.

فحين تشعر — في أعماقك — بالحاجة إلى معنى أكبر، بالحاجة إلى شيءٍ يتجاوزك، بالحاجة إلى خالق تلجأ إليه... أليس هذا لأنّ هناك خالقًا فعلًا؟

هذا ما يسمّيه العلماء المسلمون: الفطرة.

والفطرة لا تتوقّف عند الشعور بالحاجة إلى الله. بل تمتدّ إلى شيءٍ آخر عجيب:

الوعي الأخلاقي.

من أين جاء إحساسك بالعدل والظلم؟

لماذا تشعر بالغضب حين ترى طفلًا بريئًا يُظلم — حتى لو كان في بلدٍ آخر لا يعرفك ولا تعرفه؟ لماذا تشعر أنّ الكذب خطأ — حتى لو لم يكتشفك أحد؟ لماذا تشعر أنّ قتل الأبرياء جريمة — في كلّ مكان وكلّ زمان؟

إذا كان الكون بلا خالق، بلا غاية، بلا أخلاق مطلقة — فمن أين جاءت هذه "البوصلة" التي بداخلك؟

الملحد يقول: "الأخلاق تطوّرت بالانتخاب الطبيعي لمصلحة بقاء النوع."

لكن هذا لا يفسّر لماذا تشعر بأنّ إنقاذ غريب تمامًا — بل إنقاذ عدوّك أحيانًا — هو "الشيء الصحيح." الانتخاب الطبيعي يهتمّ بالبقاء، لا بالصواب والخطأ. الأخلاق التي نحسّها ليست مجرّد استراتيجية بقاء — إنّها شعور عميق بأنّ هناك حقًّا وباطلًا مطلقَين، مستقلّين عن رغباتنا.

هذا الشعور — هذه البوصلة — هو صدى الفطرة. ليس دليلًا وحيدًا على وجود الله. لكنّه بوصلة تشير إلى الاتجاه الصحيح. بوصلة زُرعت فيك لتقودك — إن أصغيت إليها — نحو الحقيقة.

قد يتجاهل الإنسان هذا الصوت. قد يُغرقه بالضجيج — ضجيج العمل والترفيه واللهو والجدال. لكنّ الصوت لا يختفي. يعود في لحظات الصمت. يعود حين تكون وحيدًا. يعود حين تفقد عزيزًا. يعود حين تنظر في عينَي طفلك لأوّل مرّة. يعود حين تحدّق في سماءٍ صافية وتشعر بشيءٍ لا تستطيع تسميته — شيءٍ أقرب إلى الرهبة منه إلى أيّ شعور آخر.

ذلك الشيء... هو الفطرة وهي تهمس لك:

هناك إله عظيم.

16
الفصل 16

الفصل السادس عشر: رسالة أخيرة

وصلنا إلى نهاية الرحلة.

ليست نهاية البحث — فالبحث لا ينتهي — لكنّها نهاية هذا الكتاب.

دعني ألخّص لك ما مررنا به معًا.

بدأنا بسؤال. السؤال الأقدم في تاريخ الوعي البشري: لماذا يوجد شيء بدلًا من لا شيء؟

ثم فحصنا الادّعاء القائل إنّ العلم أثبت أنّ المادة تظهر من العدم. ووجدنا أنّه ادّعاء مبنيّ على خلط مصطلحات: الفراغ الكمومي ليس عدمًا. والعدم الحقيقي لا يُنتج شيئًا ولا يُختبر.

ثم واجهنا ثلاثة أسئلة لا يملك الإلحاد جوابًا عنها:

لماذا يوجد شيء؟ ← الكون بدأ، ولا بدّ له من سبب.

من أين القوانين؟ ← القوانين لا تخلق نفسها ولا تخلق الأشياء.

لماذا هذا الضبط المذهل؟ ← دقّة الثوابت الكونية تتحدّى كلّ تفسير عشوائي.

ثم بنينا البرهان. كلّ ما بدأ له سبب. الكون بدأ. إذن الكون له سبب. وصفات هذا السبب تقودنا إلى: إله واحد، أزلي، غير مادّي، قادر، مريد، واعٍ.

ثم تأمّلنا في الكون من حولنا وفي أنفسنا — ووجدنا أنّ الأدلة في كلّ مكان لمن أراد أن يرى.

إليك أنت — أيّها القارئ

لا أعرف من أنت.

ربّما أنت مؤمن أراد أن يثبّت إيمانه بالحجّة والبرهان — وأرجو أن يكون هذا الكتاب قد أعطاك ما تبحث عنه.

ربّما أنت متشكّك صادق بدأ الرحلة وهو غير متأكّد — وأرجو أن تكون قد وجدتَ في هذه الصفحات ما يستحقّ التأمّل.

ربّما أنت ملحد قرأ هذا الكتاب ليرى ما عند الطرف الآخر — وأحترمك على هذه الشجاعة، وأقول لك: حتى لو لم تقتنع بكلّ ما قرأته، فأنا أسألك سؤالًا واحدًا فقط:

هل كانت الأدلة التي عرضتُها ضعيفة فعلًا... أم أنّ هناك شيئًا آخر يمنعك من القبول؟

إذا كان الأوّل — فأنا أحترم موقفك وأدعوك لمواصلة البحث.

وإذا كان الثاني — فربّما تحتاج إلى لحظة صمتٍ صادقة مع نفسك. ليس مع كتاب، ولا مع فيلسوف، ولا مع عالِم. بل مع نفسك أنت. في الليل. وحدك. بلا جمهور ولا كاميرات ولا حاجة لإثبات أيّ شيء لأحد.

فقط اسأل نفسك بصدق:

ماذا لو كان هناك إله فعلًا؟

لن أقول لك ماذا تفعل بعد ذلك. لأنّني أؤمن بأنّ من يبحث بصدق — يصل. ومن يفتح قلبه — يجد. هذا ليس كلامًا شاعريًّا. هذا وعدٌ من الله نفسه:

{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} — العنكبوت: 69
✦ ✦ ✦

"والذين جاهدوا فينا"... ليس بالسيف. بل بالعقل. بالبحث. بالصدق. "لنهدينّهم سبلنا"... إذا بحثتَ بصدق، فالهداية ستأتيك. هذا وعدٌ إلهيّ.

كلمة أخيرة

اعلم — يا من تقرأ هذه السطور — أنّني لم أكتب هذا الكتاب لأنّني كنت يومًا في شكّ. كتبتُه لأنّني أرى الشكّ وهو يُزرع في عقول أبنائنا كلّ يوم.

كتبتُه لأنّ شبهةً واهية تُلبَس ثوب العلم قد تخطف في ليلة واحدة يقينًا بناه إنسانٌ طوال عمره. وكتبتُه لأنّ السكوت عن الباطل حين ينتشر ليس حكمة — بل تقصير.

من أجل هذا جمعتُ ما استطعت من حجّة وبرهان، ونظّمتُه بين يدَيك، ليكون سلاحًا في يد كلّ مؤمن، ونورًا في طريق كلّ باحث.

لكنّني أريد أن أقول لك شيئًا أخيرًا. شيئًا أهمّ من كلّ الأدلة والبراهين التي قرأتها.

الأدلة العقلية تفتح الباب. لكنّ الذي يدخل من الباب هو القلب.

كم من إنسان رأى الدليل واضحًا كالشمس — ثم أعرض. وكم من إنسان لم يقرأ كتابًا واحدًا في الفلسفة — لكنّ قلبه مطمئنّ بالله اطمئنان الجبال.

لأنّ المسألة في النهاية ليست مسألة ذكاء. إنّها مسألة صدق.

من صدق في طلب الحقيقة — وصل. هذا وعد الله، وهو لا يخلف وعده.

ومن استكبر — فإنّ الأدلة لو ملأت السماوات والأرض ما نفعته. لأنّ عينه مفتوحة لكنّ قلبه مغلق.

وقد قال الله عن هؤلاء:

{وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} — النمل: 14
✦ ✦ ✦

"واستيقنتها أنفسهم"... يعرفون الحقيقة. في أعماقهم يعرفون. لكنّ الكبر حال بينهم وبينها.

فإن كنتَ مؤمنًا — فازدد يقينًا، وتسلّح بما قرأت، ولا تدع شبهةً تمرّ على مسمعك دون أن تملك لها جوابًا. فأنت صاحب الحقّ، وأنت أولى بالثقة.

وإن كنتَ متشكّكًا — فأنصفْ نفسك. لا تقبل من عقلك أن يرفض الحقيقة لمجرّد أنّها تُكلّفه التزامًا. ارجع إلى الأدلة التي قرأتها. اجلس مع نفسك في صمت — بلا هاتف ولا ضجيج ولا جمهور — واسألها: هل أنا أبحث عن الحقيقة فعلًا... أم أهرب منها؟

وإن كنتَ منكرًا — فاعلم أنّ الله غنيٌّ عنك وعن العالمين. إنكارك لا يضرّه شيئًا. النجوم لا تتوقّف عن الإشراق لأنّ أعمى أنكر وجود الضوء.

لكنّ الباب لم يُغلق بعد. والنَّفَس الذي في صدرك فرصة. وكلّ لحظة تمرّ دون أن ترجع فيها إلى الله — هي لحظة لن تعود.

ختام

الخاتمة

هذا الكتاب لم يكن محاولةً لإغلاق باب السؤال — بل لفتحه على مصراعَيه. لأنّ السؤال الصادق لا يقود إلى الشكّ. السؤال الصادق يقود إلى الحقيقة.

وقد حاولتُ في هذه الصفحات أن أقدّم للقارئ ما وجدتُه بعد بحث طويل: أنّ الإيمان بالله ليس هروبًا من العقل — بل هو الوجهة التي يصل إليها العقل حين يُطلَق حرًّا.

العلم لا يناقض الإيمان. بل يقف — في أصدق لحظاته — شاهدًا عليه. والفطرة لا تكذب. إنّها البوصلة التي زرعها الله فينا لتدلّنا عليه.

أسأل الله أن يكون هذا الكتاب سببًا في هداية قلبٍ واحد — فهذا عندي خيرٌ من الدنيا وما فيها.

أختم بما بدأت.

لماذا يوجد شيءٌ بدلًا من لا شيء؟

لأنّ هناك إلهًا أراد أن يوجد هذا الشيء. إلهًا خلق فأبدع، وقدّر فأحكم، وأعطى كلّ شيءٍ خلقه ثم هدى.

إلهًا عظيمًا.

وقد ترك لك في كلّ ذرّة دليلًا.

{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} — فصّلت: 53
✦ ✦ ✦

الحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصالحات.

تم بحمد الله