قبل أن ندخل في صلب القضية، نحتاج أن نتّفق على قواعد التفكير. لأنّ كثيرًا من الخلافات الفكرية لا تنشأ من اختلاف الأدلة، بل من اختلاف طريقة التعامل مع الأدلة.
تخيّل أنّ شخصَين يتنازعان على نتيجة مباراة، لكنّ كلّ واحد منهما يلعب بقواعد مختلفة. أحدهما يحسب الأهداف، والآخر يحسب ركلات الركنية. لن يصلا إلى اتّفاق أبدًا — ليس لأنّ الحقيقة غامضة، بل لأنّهما لم يتّفقا على القواعد أولًا.
❓
فما هي قواعد التفكير السليم التي سنستخدمها في هذا الكتاب؟
★
القاعدة الأولى: فرِّق بين "كيف" و"لماذا"
هناك نوعان من الأسئلة:
❓
أسئلة "كيف": كيف تعمل الجاذبية؟ كيف تتشكّل النجوم؟ كيف ينقسم الجين؟
❓
أسئلة "لماذا": لماذا يوجد كون؟ لماذا توجد قوانين؟ لماذا يوجد شيء بدلًا من لا شيء؟
العلم التجريبي يتعامل مع أسئلة "كيف" ببراعة مذهلة. يرصد الظواهر، يضع فرضيات، يجري تجارب، يصل إلى نتائج. هذا هو المنهج العلمي، وهو من أعظم ما أنتجه العقل البشري.
لكنّ أسئلة "لماذا" — خاصّة الكبرى منها — لا تقع ضمن اختصاص المختبر. لا يمكنك أن تضع سؤال "لماذا يوجد شيء بدلًا من لا شيء؟" تحت المجهر. هذا سؤال عقلي، يحتاج إلى أدوات عقلية.
ومن أخطر ما يحدث اليوم أنّ بعض الناس يرفضون أيّ جوابٍ لا يأتي من المختبر. يقولون: "إذا لم يُثبته العلم التجريبي، فهو ليس حقيقة." وهذا في حدّ ذاته مغالطة. لأنّ هذه الجملة نفسها — "لا حقيقة إلّا ما أثبته العلم التجريبي" — هي جملة فلسفية، لا يمكن إثباتها بالتجربة! إنّها تنقض نفسها بنفسها.
فالعلم أداة عظيمة، لكنّه ليس الأداة الوحيدة. والعقل أوسع من المختبر.
★
القاعدة الثانية: الادّعاء يحتاج إلى دليل
من أبسط قواعد المنطق: من يدّعي شيئًا، عليه أن يثبته.
إذا قال لك أحدهم: "هناك إله خلق الكون" — فمن حقّك أن تقول: "ما دليلك؟"
وبالمثل تمامًا: إذا قال لك أحدهم: "لا يوجد إله، والكون جاء من لا شيء" — فمن حقّك أن تقول: "ما دليلك؟"
الإلحاد ليس "غياب موقف". الإلحاد موقف. والموقف يحتاج إلى دليل، تمامًا كما يحتاج الإيمان إلى دليل.
في هذا الكتاب، سنطبّق هذه القاعدة على الجميع. لن نقبل أيّ ادّعاء — سواء من المؤمن أو الملحد — إلّا بدليل. لن نقبل عبارات مثل: "هذا واضح"، أو "العلم قال"، أو "الأغلبية تعتقد". سنسأل دائمًا: ما الدليل بالضبط؟
★
القاعدة الثالثة: انتبه للمصطلحات
واحدة من أخطر الأدوات في الجدال الفكري هي التلاعب بالمصطلحات. أن يستخدم شخصٌ كلمة لها معنى محدّد عند المتخصّصين، ثم يمرّرها للجمهور بمعنى مختلف تمامًا.
سأعطيك مثالًا حاسمًا — وهو لبّ هذا الكتاب:
كلمة "العدم".
عندما يقول فيلسوف "العدم"، يقصد: نفي الوجود نفيًا مطلقًا. لا مادة، لا طاقة، لا زمان، لا مكان، لا قوانين. لا شيء على الإطلاق.
لكن عندما يقول بعض الفيزيائيين "العدم"، يقصدون شيئًا مختلفًا تمامًا: يقصدون الفراغ الكمومي — وهو حالة فيزيائية لها خصائص وطاقة وقوانين تحكمها. هذا ليس "لا شيء"... هذا "شيء"!
الآن تخيّل أنّ أحدهم قال لك: "العلم أثبت أنّ الأشياء تظهر من العدم!" — وأنت فهمت "العدم" بمعناه الفلسفي (أي: لا شيء مطلقًا)، بينما هو يتحدّث عن فراغ فيزيائي مليء بالطاقة والقوانين. هل ترى حجم الخدعة؟
لقد مرّر لك فكرة ضخمة — "الكون لا يحتاج إلى خالق" — عبر ثغرة في كلمة واحدة.
هذا بالضبط ما سنكشفه في القسم القادم بالتفصيل. وسنرى كيف أنّ ما يُسمّى "خلقًا من العدم" في الفيزياء ليس خلقًا من عدم حقيقي على الإطلاق.
★
القاعدة الرابعة: اتّبع الدليل أينما قادك
هذه أهمّ قاعدة على الإطلاق.
لا تبدأ بالنتيجة ثم تبحث عن أدلة تدعمها. ابدأ بالأدلة ثم انظر إلى أين تقودك.
هذا ما فعلتُه أنا كمسلم. وهذا ما أدعوك لتفعله.
والقرآن الكريم نفسه لم يطلب من الإنسان أن يُغلق عقله. بل فعل العكس تمامًا. خاطب العقل، وطلب التفكّر، وأثار الأسئلة:
{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ} — آل عمران: 190
"لأولي الألباب"... أي لأصحاب العقول. لم يقل: "لمن يؤمنون بلا تفكير." بل قال: لمن يفكّرون.
والآن، بعد أن اتّفقنا على القواعد، نحن مستعدّون لدخول الميدان.
في القسم القادم سنواجه الادّعاء الأخطر:
❝
"العلماء راقبوا ظهور المادة من العدم."
سنأخذ هذا الادّعاء ونضعه تحت مجهر المنطق والعلم والفلسفة. وسنرى — بهدوء ودقّة — هل يصمد أم ينهار.
استعدّ. لأنّ ما ستقرأه في الصفحات القادمة قد يغيّر طريقة تفكيرك إلى الأبد.