الرئيسية سقط القناع الفهرس الفصل 10
الفصل 10

"لا تقطعوا شجرة!": هل كانت جيوش الإسلام أول "حماة البيئة" في التاريخ؟

عندما نفكر في "الحرب"، غالبًا ما نتخيل الدمار الذي يلحق بالبشر والمباني. لكن الحروب لها وجه آخر من الدمار، لا يقل بشاعة، بل قد يكون أشد خطرًا على المدى الطويل: الدمار الذي يلحق بالبيئة. بالأرض التي نعيش عليها، بالماء الذي نشربه، بالهواء الذي نتنفسه، وبمصادر الحياة الطبيعية التي لا غنى عنها لاستمرار الجنس البشري. هذا ما يُعرف اليوم بمصطلحات خطيرة مثل "الإبادة البيئية" (Ecocide) أو "الحرب البيئية" (Environmental Warfare).

المدهش والصادم حقًا، أن الإسلام، قبل 14 قرنًا، وفي بيئة صحراوية تعرف قيمة كل قطرة ماء وكل نخلة باسقة أكثر من غيرها، وضع ما يمكن اعتباره أول "قانون بيئي للحرب" في التاريخ!

وصية أبي بكر: دستور بيئي للحرب

هل تتخيل جيشًا يستعد لخوض معركة حياة أو موت، وتأتيه الأوامر العليا ليس فقط بحماية المدنيين، بل بحماية الأشجار والمحاصيل والحيوانات ومصادر المياه؟ هذا بالضبط ما حدث!

لنستمع مرة أخرى إلى أجزاء من وصية الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه لجيشه المتجه إلى الشام، والتي تعتبر وثيقة تاريخية مذهلة في "الأخلاق البيئية للحرب":

"...لَا تَقْتُلُوا طِفْلًا صَغِيرًا، وَلَا شَيْخًا كَبِيرًا وَلَا امْرَأَةً، وَلَا تَعْقِرُوا نَخْلًا وَلَا تُحْرِقُوهُ،وَلَا تَقْطَعُوا شَجَرَةً مُثْمِرَةً،وَلَا تَذْبَحُوا شَاةً وَلَا بَقَرَةً وَلَا بَعِيرًا إِلَّا لِمَأْكَلَةٍ،وَلَا تُغْرِقُنَّ نَخْلًا وَلاَ تُحْرِقُنَّهَا... [وفي روايات أخرى النهي الصريح عن تسميم المياه أو إفسادها] وَلَا تُخَرِّبُنَّ عَامِرًا..." [موطأ مالك وغيرها].

دعنا نحلل هذه التعليمات المدهشة بمفاهيم اليوم:

"لَا تَقْطَعُوا شَجَرَةً مُثْمِرَةً" / "وَلَا تَعْقِرُوا نَخْلًا وَلَا تُحْرِقُوهُ": هذا ليس مجرد حفاظ على منظر طبيعي، إنه حماية مباشرة لـ "الأمن الغذائي" (Food Security) و "للنظام البيئي" (Ecosystem) و "للبنية التحتية الزراعية" للمجتمع المحلي، حتى بعد انتهاء الحرب! الشجرة المثمرة والنخلة هما مصدر رزق وحياة يجب أن يُصان.

"وَلَا تَذْبَحُوا شَاةً... إِلَّا لِمَأْكَلَةٍ": هذا هو مبدأ "الاستخدام المستدام للموارد" (Sustainable Resource Use) حتى في ذروة الصراع. لا قتل عبثي للحيوانات بغرض التدمير أو الانتقام أو "سياسة الأرض المحروقة"، بل فقط للاحتياج الضروري للغذاء.

النهي عن إغراق النخل أو تسميم المياه: هذه حماية مباشرة لـ "مصادر المياه" (Water Resources) و "للأراضي الزراعية" من التدمير المتعمد الذي قد يترك آثارًا كارثية طويلة الأمد (تصحر، تلوث).

"وَلَا تُخَرِّبُنَّ عَامِرًا": هذا أمر عام وشامل بحماية "البنية التحتية المدنية" (Civilian Infrastructure) وكل ما هو قائم ومأهول ويخدم حياة الناس، من قرى ومزارع ومبانٍ، وعدم تدميرها إلا لضرورة عسكرية قاهرة ومباشرة.

تحريم "سياسة الأرض المحروقة"

ماذا يعني كل هذا؟ يعني أن الإسلام، قبل 1400 عام، حرّم بشكل قاطع ما يُعرف اليوم بـ "سياسة الأرض المحروقة" (Scorched Earth Policy)! وهي استراتيجية عسكرية وحشية (استخدمت عبر التاريخ وما زالت تستخدم) تقوم على تدمير كل شيء في طريق الجيش المتقدم أو المنسحب (المحاصيل، الآبار، الماشية، المباني، الجسور) بهدف حرمان العدو من أي موارد، حتى لو أدى ذلك إلى مجاعة وتشريد السكان المدنيين وتدمير البيئة لعقود قادمة.

ولعل أحد أبشع تطبيقات هذه السياسة في التاريخ الأوروبي ما حدث خلال "حرب الثلاثين عامًا" (1618-1648م)، وهي حرب دينية وسياسية مدمرة عصفت بأوروبا الوسطى (خاصة ألمانيا). خلال هذه الحرب، لم تتردد الجيوش المتحاربة من كل الأطراف في حرق القرى والمحاصيل وتدمير مصادر المياه بشكل ممنهج لإضعاف العدو وحرمان السكان المحليين من أي موارد. وكانت النتيجة كارثية: يُقدر أن بعض مناطق ألمانيا فقدت أكثر من نصف سكانها بسبب القتل المباشر والمجاعة والأمراض التي نتجت عن هذا الدمار الشامل! لقد استغرق الأمر قرونًا لتعافي بعض المناطق من آثار هذه الحرب الوحشية التي لم ترحم بشرًا ولا حجرًا ولا شجرًا.

إن الحكمة من وراء تحريم الإسلام لـ'سياسة الأرض المحروقة' تتجاوز مجرد البعد البيئي المباشر. إنها نظرة مستقبلية تدرك أن الحرب، مهما طالت، ستنتهي، وأن الحياة يجب أن تستمر بعدها. فتدمير مصادر الرزق والبنية التحتية للمجتمع المهزوم لا يؤدي إلا إلى إطالة أمد المعاناة، وزرع بذور الحقد والكراهية لأجيال قادمة، مما يجعل بناء سلام دائم أمرًا شبه مستحيل. الإسلام يريد للحرب أن تكون وسيلة لرد العدوان وتحقيق العدل، لا وسيلة لتدمير أسس الحياة نفسها.

المقارنة الصادمة: من "العامل البرتقالي" إلى تجريف غزة

قارن هذا المبدأ الإسلامي السامي بما فعله البشر في حروبهم، لترى حجم الوحشية التي وصلوا إليها:

سياسة الأرض المحروقة عبر التاريخ: رأيناها تُطبق بضراوة في حملات تاريخية لا حصر لها، من الرومان، إلى حملة نابليون على روسيا، إلى الحرب الأهلية الأمريكية، إلى حرب البوير في جنوب أفريقيا. الهدف دائمًا: تدمير مصادر حياة العدو والمجتمع.

الحرب العالمية الثانية: شهدت قصفًا استراتيجيًا مكثفًا للمدن الصناعية والبنية التحتية الحيوية (محطات كهرباء، مصانع، سدود) بهدف شل قدرة العدو على مواصلة الحرب، بغض النظر عن الأثر البيئي أو الإنساني الكارثي.

الحرب الكورية وحرب فيتنام: أمثلة صارخة على "الحرب البيئية المتعمدة". في فيتنام، استخدمت الولايات المتحدة "العامل البرتقالي" (Agent Orange) لإبادة ملايين الهكتارات من الغابات والمحاصيل، مما ترك آثارًا صحية وبيئية مدمرة مستمرة حتى اليوم! هذا ليس مجرد "ضرر جانبي"، بل هو "إبادة بيئية" متعمدة.

حروب الخليج والعراق: تعرضت البنية التحتية العراقية (محطات كهرباء، محطات معالجة مياه، جسور) لتدمير واسع النطاق، مع استخدام أسلحة (مثل اليورانيوم المنضب) تركت تلوثًا إشعاعيًا وبيئيًا خطيرًا.

ما يحدث في غزة اليوم: وهو يجمع كل هذه الأنواع من التدمير بشكل مكثف وممنهج:

تدمير هائل للبنية التحتية المدنية: أكثر من 80% من المستشفيات خرجت عن الخدمة كليًا أو جزئيًا، ودُمرت مئات المدارس والمساجد والكنائس التاريخية، وشبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء تم استهدافها بشكل شبه كامل.

تدمير ممنهج للأراضي الزراعية: أظهرت صور الأقمار الصناعية تجريف وتدمير ما يقرب من نصف الأراضي الزراعية في شمال القطاع، بما في ذلك آلاف الدونمات من بساتين الزيتون والحمضيات والدفيئات الزراعية، بهدف معلن أو ضمني لخلق منطقة عازلة وجعل المنطقة غير صالحة للزراعة والحياة.

تلويث كارثي: ناتج عن ملايين الأطنان من الركام (الذي يحتوي على مواد خطرة ومخلفات ذخائر غير منفجرة)، وتحلل الجثث تحت الأنقاض، وانهيار شبكات الصرف الصحي، مما يهدد بكوارث صحية وبيئية طويلة الأمد. كل هذا يتم بهدف معلن أو ضمني هو جعل القطاع "غير قابل للحياة".

لقد سبق الإسلام العالم كله بأربعة عشر قرنًا حين أدرك أن الحرب يجب ألا تكون حربًا ضد الكوكب نفسه، وضد مصادر الحياة التي وهبها الله للجميع. وضع ضوابط أخلاقية صارمة لحماية البيئة، ليس كترفٍ ثانوي، بل كجزء أساسي من شريعة الرحمة.

فالمقاتل المسلم، وهو يقاتل "في سبيل الله"، لا يمكن أن يرضي الله بتدمير خلقه وإفساد الأرض التي استخلفه فيها. هل كانت جيوش الإسلام أول "حماة البيئة" في التاريخ؟ الإجابة "نعم" بشكل مدهش!