تخيل جيشًا يدخل أرض عدو يختلف معه في الدين والعقيدة. ماذا تتوقع أن يكون مصير رجال الدين في تلك الأرض؟ وماذا عن أماكن عبادتهم المقدسة؟
عبر التاريخ، وللأسف، غالبًا ما كان رجال الدين يُعتبرون رموزًا حية لهوية العدو وعقيدته، وبالتالي أهدافًا للانتقام أو الإذلال.
وكانت أماكن العبادة (الكنائس، المعابد، الأديرة) تُستهدف بالهدم أو الحرق أو التدنيس كرسالة سيطرة وكسر لروح المغلوب ومحو لهويته.
بل إن الحروب الدينية بشكل خاص كانت ترى في تدمير مقدسات الآخر جزءًا لا يتجزأ من النصر "المقدس"!
لكن الإسلام جاء هنا أيضًا بمبدأ مدهش وصادم لمقاييس ذلك الزمان، بل ولمقاييس زماننا هذا أيضًا في كثير من الأحيان. لقد منح حصانة كاملة ومطلقة لرجال الدين المنقطعين للعبادة، حتى لو كانوا من دين العدو المحارب، وكذلك لأماكن عبادتهم.
"دعوا أصحاب الصوامع": وصية خالدة
لم يكن هذا مجرد تسامح اختياري يُترك لمزاج القائد أو لظروف المعركة، بل كان أمرًا نبويًا وتشريعًا ملزمًا. تذكر وصية النبي صلى الله عليه وسلم لجيوشه، والتي أكدها وطبقها الخلفاء من بعده كأبي بكر الصديق في وصيته الشهيرة لجيش الشام:"وَلَا تَقْتُلُوا أَصْحَابَ الصَّوَامِعِ." وفي رواية أخرى أكثر تفصيلاً:"وَسَتَمُرُّونَ بِأَقْوَامٍ قَدْ فَرَّغُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الصَّوَامِعِ (أي الأديرة والمعابد والكنائس المنعزلة)، فَدَعُوهُمْ وَمَا فَرَّغُوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ."
لماذا هذه الحصانة المدهشة؟ السبب بسيط ويتسق تمامًا مع "مبدأ التمييز" الذي هو حجر الزاوية في أخلاق الحرب الإسلامية:
احترام حرية العبادة: حتى في الحرب، الإسلام يقر بحق الآخر في التعبد بطريقته، طالما أنه لا يعتدي على المسلمين. أماكن العبادة لها حرمتها التي لا يجوز انتهاكها.
المقارنة المؤلمة: من مذابح الأقصى إلى قصف كنائس غزة
قارن هذا المبدأ السامي بما حدث ويحدث عبر التاريخ، لترى الفارق المريع:
الحروب الدينية القديمة: كم من المعابد والكنائس دُمرت في حروب الرومان والفرس؟ بل حتى داخل الدين الواحد، رأينا كيف اضطهد البيزنطيون (الخلقيدونيون) أقباط مصر ودمروا أو استولوا على كنائسهم قبل الفتح الإسلامي الذي حررهم!
الحروب الصليبية: لم يتردد الصليبيون عند احتلالهم الأول للقدس (عام 1099م) في ارتكاب مذابح مروعة داخل المسجد الأقصى نفسه، بل وذكر مؤرخوهم بفخر كيف كانت الدماء تصل إلى ركب الخيل! لقد حوّلوا مكان العبادة إلى مسلخ.
ولم تكن حرمة أماكن العبادة مصانة حتى في حروبهم الداخلية. فخلال "حروب الإصلاح الديني" التي مزقت أوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر، لم يتردد البروتستانت والكاثوليك في مهاجمة وتدمير كنائس وأديرة الطرف الآخر بشكل ممنهج. تم تحطيم التماثيل والزجاج الملون ونهب المقتنيات الثمينة، بل وتحويل بعض الكنائس إلى إسطبلات أو ثكنات عسكرية! لقد كان تدمير رموز العدو الدينية جزءًا لا يتجزأ من الصراع، مما يكشف عن عمق التعصب الذي ساد حتى داخل الدين الواحد، في تناقض صارخ مع الحماية التي أمر بها الإسلام لكنائس ومعابد أهل الذمة.
الحروب الحديثة (وهنا المأساة المستمرة): للأسف، ما زلنا نرى هذا السلوك الهمجي حتى اليوم، رغم كل "القوانين الدولية".
في البوسنة: تم تدمير مئات المساجد بشكل ممنهج بهدف محو الهوية الإسلامية.
في العراق وسوريا: تم استهداف وتدمير مساجد وكنائس ومواقع أثرية دينية لا تقدر بثمن على يد روسيا والتحالف الدولي بقيادة أمريكا.
في فلسطين المحتلة (وخاصة غزة): رأينا استهدافًا مباشرًا ومتعمدًا للمساجد التاريخية والأثرية وتحويلها إلى ركام. ورأينا قصف كنيسة القديس برفيريوس الأرثوذكسية التاريخية (ثالث أقدم كنيسة في العالم!)، التي كان يلجأ إليها مدنيون مسيحيون ومسلمون على حد سواء!
إن القانون الدولي الحديث (مثل اتفاقية لاهاي 1954) يحظر استهداف الأعيان الدينية والثقافية. لكن مرة أخرى، نرى كيف تصبح هذه القوانين مجرد حبر على ورق عندما تغيب الرقابة الأخلاقية الحقيقية، وعندما يصبح الهدف هو "محو الذاكرة" و "إلغاء هوية" الطرف الآخر.
الإسلام، قبل 14 قرنًا، لم يكتفِ بـ "حظر الاستهداف"، بل جعل عدم التعرض لرجال الدين المسالمين وأماكن عبادتهم واجبًا دينيًا وجزءًا لا يتجزأ من أخلاقيات الحرب الأساسية.
إنها شهادة مدهشة أخرى على عمق التسامح واحترام حرية الاعتقاد الذي جاء به الإسلام، حتى في أصعب الظروف وأشدها قسوة: ظروف الحرب. لقد قدم الإسلام للعالم نموذجًا فريدًا في حماية "الروح" كما حمى "الجسد"، في زمنٍ لم يكن يعرف لمثل هذه القيم مكانًا.