الرئيسية سقط القناع الفهرس الفصل 4
الفصل 4

"تحرير" لا "احتلال": القصة الحقيقية لفتح مصر وعودة البطريرك الهارب!

عندما تسمع عن "الفتوحات الإسلامية"، ما الصورة التي ترسمها وسائل الإعلام الغربية غالبًا؟ جيوش تجتاح أراضي الغير، تفرض دينها بالسيف، وتستولي على خيرات البلاد... أليس كذلك؟ بصراحة، هذه هي الصورة النمطية السائدة.

لكن، استعد لتسمع قصة مختلفة تمامًا، قصة قد تجعلك تُعيد النظر في معنى كلمة "فتح" في السياق الإسلامي. سنأخذ فتح مصر كمثال صارخ، ليس لأنه مجرد حدث تاريخي كبير، بل لأنه يكشف عن فلسفة "التحرير" المدهشة التي حملها الإسلام للعالم.

كابوس الاضطهاد الديني البيزنطي

لفهم ما حدث، يجب أن نعود بالزمن إلى مصر قبل وصول المسلمين. لم تكن مصر بلدًا مستقلاً سعيدًا. على الإطلاق. بل كانت مقاطعة ترزح تحت وطأة الاستعمار البيزنطي (الروماني الشرقي) لأكثر من ستة قرون!

ولم يكن هذا مجرد استعمار سياسي واقتصادي ينهب قمح البلاد وثرواتها (رغم فداحته)، بل كان الأسوأ منه هو الاضطهاد الديني الوحشي.

وهنا تكمن التفاصيل التي لا يخبرونك بها: الإمبراطورية البيزنطية، بعد "مجمع خلقيدونية" (عام 451 م)، فرضت مذهبها المسيحي الرسمي (الملكاني الخلقيدوني) بالقوة على الأغلبية الساحقة من أهل مصر (الأقباط الأرثوذكس)، الذين رفضوا قرارات هذا المجمع واعتُبروا "هراطقة" يجب سحقهم.

وصل الاضطهاد إلى درجة مروعة. المؤرخون (ومنهم الأسقف القبطي يوحنا النقيوسي الذي عاصر الأحداث) يصفون كيف كانت تُمارس عمليات تعذيب وقتل ممنهج ضد الأقباط. وكان رمز هذا الاضطهاد هو حاكم مصر البيزنطي "المقوقس" (وهو في الأغلب البطريرك الملكاني "كيرس")، الذي جمع بين السلطتين الدينية والعسكرية، واستخدمهما لقمع المصريين بلا رحمة.

وكانت قمة المأساة تتمثل في مصير زعيم الأقباط الروحي، البطريرك بنيامين الأول. لقد اضطر هذا الرجل للهرب من بطش البيزنطيين، وظل مختبئًا في الصحاري والأديرة النائية لمدة 13 عامًا كاملة! تخيل... زعيم أكبر طائفة دينية في البلاد يعيش طريدًا هاربًا في وطنه! هذا هو حجم القهر الذي كانت تعيشه مصر.

لقد وصل بهم الأمر إلى مصادرة الكنائس، بل وتحويل بعضها إلى زرائب للحيوانات، ناهيك عن القتل والتعذيب الممنهج لفرض معتقدهم.

ولم يكن الاضطهاد البيزنطي لنصارى مصر مجرد خلاف لاهوتي، بل ارتبط بسياسات تمييز اقتصادي واجتماعي، حيث كانت تُفرض ضرائب باهظة على المصريين لدعم خزينة القسطنطينية، ويحرم النصارى من المناصب العليا. هذا المزيج من القهر الديني والاستغلال الاقتصادي هو ما جعل الكثير منهم يرحبون بالتغيير الذي مثله وصول المسلمين.

مفاجأة الفاتح عمرو بن العاص

ثم... في عام 640 ميلادي تقريبًا... وصل جيش المسلمين بقيادة عمرو بن العاص رضي الله عنه. ماذا كانت ردة فعل المصريين الأقباط؟ هل اعتبروا وصول الجيش المسلم تهديدًا جديدًا وقاوموه؟

المفاجأة أن الكثير منهم إما وقفوا على الحياد، أو حتى قدموا مساعدات لوجستية للمسلمين. لماذا؟ ليس حبًا بالضرورة في الدين الجديد الذي لا يعرفونه بعد، بل كرهًا شديدًا لمضطهديهم البيزنطيين، ورغبةً عارمة في الخلاص من كابوسهم الطويل. لقد رأوا في وصول المسلمين فرصة للتغيير، وربما للأفضل.

لكن المفاجأة الأكبر جاءت بعد انتصار المسلمين ودخولهم مصر. كيف تصرف القائد الذي يصف البعض فتحه لمصر بالاحتلال والغزو؟

عادةً؟ ينصّب حاكمًا عسكريًا، يبدأ بفرض ثقافته ودينه، ويوزع الأراضي على جنوده.

لكن عمرو بن العاص فعل شيئين مدهشين يكشفان نية "التحرير" لا "الاحتلال":

أعطى الأمان العام والشامل لجميع سكان مصر على أرواحهم وأموالهم وممتلكاتهم.

وهو الأمر الأكثر إدهاشًا: أصدر نداءً عامًا يبحث فيه عن البطريرك الهارب بنيامين الأول! ودعاه للعودة من مخبئه مع ضمان الأمان التام له ولأتباعه.

أعاد للنصارى الأرثوذكس كل كنائسهم مرة أخرى.

توقف هنا وتأمل! القائد المنتصر يبحث بنفسه عن الزعيم الديني للشعب "المفتوح" ليعيده إلى كرسيه!

هل سمعت بمثل هذا في التاريخ؟

لو لم تُسجَّل هذه الوقائع في كتب التاريخ الموثوقة، لظنّ البعض أنها أسطورة من زمنٍ لا يُصدَّق. لكنّ التاريخ يشهد: حين دخل عمرو بن العاص مصر لم يكن فاتحًا يطلب الغنيمة، بل طبيبًا يعالج أمّةً مريضة بالظلم. جاء بسيفٍ يقطع قيد العبودية، لا أعناق الناس. تلك اللحظة كانت ميلادًا جديدًا للحرية باسم الله، لا باسم الإمبراطورية.

وبالفعل، عاد البطريرك بنيامين من منفاه بعد 13 عامًا، واستقبله عمرو بن العاص بالاحترام والتقدير. وأُعيد البطريرك إلى منصبه في الإسكندرية، ومُنح النصارى حرية دينية كاملة ومطلقة في ممارسة شعائرهم، وإدارة كنائسهم وأديرتهم، واختيار قادتهم الروحيين دون أي تدخل

من الدولة المسلمة.

وإذا كان عمرو بن العاص قد أعاد البطريرك بنيامين إلى كرسيه، فإنّ الفرنسيين حين دخلوا الجزائر سنة 1830م نهبوا المساجد وحوّلوها إلى إسطبلات، كما حوّلوا جامع كتشاوة في العاصمة إلى كنيسة لمدّة قرن.

الفتح عند المسلمين أعاد للناس كرامتهم، والاحتلال عند الغرب سلبهم حتى هواءهم.

تلك المفارقة التاريخية تشرح ببساطة لماذا أحبّ الشعوبُ الفاتحين المسلمين وكرهوا "المستعمر المتحضّر".

ويقدم الكاتب اللبناني الفرنسي أمين معلوف، وهو مسيحي الديانة وحائز على جائزة غونكور الأدبية، مقارنة تاريخية مؤلمة وصادقة حول مصير الأقليات الدينية، معترفًا بالقدرة المميزة للحضارة الإسلامية على التعايش:

"لو كان أجدادي مسلمين في بلد فتحته الجيوش المسيحية، بدلا من كونهم مسيحيين في بلد فتحته الجيوش المسلمة؛ فلا أظن أنهم كانوا استطاعوا الاستمرار في العيش لمدة أربعة عشر قرنا في مدنهم وقراهم، محتفظين بعقيدتهم؛ فماذا حدث فعليا لمسلمي إسبانيا وصقلية؟ لقد اختفوا حتى آخرهم: ذُبحوا أو هُجّروا أو تم تعميدهم بالقوة! يوجد في الإسلام - ومنذ بداياته - قدرة مميزة على التعايش مع الآخر!!" - أمين معلوف، كتاب "الهويات القاتلة".

شهادة قوية من كاتب مسيحي بارز، تستند إلى الواقع التاريخي المرير الذي شهدته الأندلس وغيرها، لتؤكد أن بقاء المسيحيين واليهود وازدهارهم لقرون طويلة في ظل الحكم الإسلامي لم يكن صدفة، بل نتيجة لقدرة حقيقية ومتأصلة في الإسلام على التعايش، وهو ما افتقدته حضارات أخرى مارست الإبادة أو الإكراه الديني.

ما هو "الفتح"؟ وكيف يختلف عن "الغزو"؟

وهنا نصل إلى جوهر الفهم. لقد استقبل أهل مصر المسلمين ليس كقوة احتلال، بل كمحررين أنقذوهم من ظلم وقهر دام لقرون. وهذا هو الفرق الجوهري بين "الفتح" الإسلامي و "الغزو" الاستعماري.

في الفقه الإسلامي، هناك نوعان من الجهاد: الأول، جهاد الدفع (الدفاعي): وهذا لا يختلف عليه عاقل. إنه الحق الطبيعي، بل الواجب المقدس، لكل إنسان وأمة أن ترد الظلم وتدفع العدوان عن النفس والأرض والعرض والدين. هل يمكن لأحد أن يلوم شعبًا يدافع عن بيوته إذا هوجمت؟

الثاني، جهاد الطلب (التحريري): وهو المفهوم الذي تعرض لأكبر قدر من التشويه المتعمد.

لم يكن الهدف أبدًا، كما يزعم المشوهون، هو إجبار الناس على اعتناق الإسلام بالسيف.

هذا يتناقض صراحةً مع النص القرآني القطعي: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۗ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256].

بل كان الهدف هو "فتح الطريق" أمام الدعوة. تخيل أن هناك طريقًا عامًا للمعرفة، وقام نظام طاغية بوضع حواجز عسكرية عليه، يمنع الناس بالقوة من مجرد سماع أي فكرة تخالف فكرته.

"جهاد الطلب" لم يكن لاقتحام بيوت الناس، بل كان لإزالة تلك الحواجز العسكرية (الطغاة وجيوشهم) التي تقف بين الناس وبين حقهم في المعرفة والاختيار الحر.

كانت حربًا ضد القمع الفكري والسياسي، لا حربًا ضد عقائد الناس. والدليل العملي الأكبر على هذا هو ما رأيناه في مصر: بمجرد إزالة حكم الطغاة (البيزنطيين)، لم يُجبر أحد على تغيير دينه. بل مُنح أهل البلاد "عهد الأمان" (أو عقد الذمة)، وضُمنت لهم حرية ممارسة شعائرهم (بعودة البطريرك بنيامين)، ثم تُرك لهم الخيار.

بل لقد ظل النصارى في مصر هم أغلبية السكان خلال القرون الأربعة الأولى بعد الفتح الإسلامي ولم يصبح المسلمون أغلبية سوى في القرن السادس الهجري.

وفتح الأندلس نفسه (711م) يقدم مثالاً آخر. لم يكن الفتح الإسلامي مجرد غزو عسكري، بل جاء استجابة لنداءات استغاثة من بعض القوط الغربيين أنفسهم ومن السكان الأصليين المضطهدين (بمن فيهم اليهود الذين كانوا يعانون الأمرين تحت حكم القوط). لقد كان النظام القوطي يعاني من صراعات داخلية وظلم اجتماعي وديني شديد. فعندما عبر المسلمون بقيادة طارق بن زياد، لم يواجهوا مقاومة شعبية واسعة، بل وجدوا في كثير من الأحيان ترحيبًا أو حيادًا من السكان الذين رأوا فيهم خلاصًا من ظلم حكامهم. وسرعان ما أقام المسلمون نظامًا أكثر عدلاً وتسامحًا، ضمن لليهود والمسيحيين ("المستعربين") حقوقهم وحريتهم الدينية، مما مهد لبدء العصر الذهبي للأندلس الذي ازدهرت فيه العلوم والفنون والتعايش لقرون.

وماذا عن الجزية؟

وهنا قد يعترض البعض على مصطلح "الجزية" نفسه، الذي تعرض لحملات تشويه منظمة جعلته يبدو مرادفًا للإذلال أو الابتزاز، بينما تُقبل اليوم الضرائب الباهظة التي تفرضها الدول الحديثة تحت مسميات مختلفة دون أي اعتراض مماثل!

والحقيقة أن الجزية في التطبيق التاريخي للإسلام، لم تكن سوى "ضريبة دفاع" أو "بدل حماية" تُدفع للدولة المسلمة مقابل إعفاء غير المسلمين (أهل الذمة) من الخدمة العسكرية الإلزامية التي كانت مفروضة على المسلمين، ومقابل تولي الدولة حمايتهم والدفاع عنهم وعن أموالهم وأعراضهم ومعابدهم. والمفاجأة التاريخية أنها كانت غالبًا أخف بكثير من الضرائب التي كانت تفرضها عليهم الإمبراطوريات السابقة (كالبيزنطية والفارسية)، وكانت تُعفى منها فئات واسعة كالنساء والأطفال والشيوخ والرهبان والفقراء والعجزة.

أما القول بأنها غير عادلة لأن غير المسلم يدفعها والمسلم لا يدفعها، فهذا تجاهلٌ للحقيقة الكاملة. فالمسلم، في المقابل، مفروض عليه فريضة الزكاة، وهي ركن من أركان الإسلام، وغالبًا ما تكون قيمتها أعلى بكثير من قيمة الجزية، وتُؤخذ من ماله المدّخر ومن ماشيته وزروعه وعروض تجارته سنويًا لتُصرف على الفقراء والمحتاجين والمصالح العامة. هذا بالإضافة إلى حث الإسلام للمسلمين على إخراج الصدقات التطوعية بشكل مستمر، والتي تساهم أيضًا في دعم المجتمع والتكافل الاجتماعي.

فالأمر ببساطة هو نظام مالي متكامل ومتوازن، يساهم فيه كل فرد في المجتمع بطريقة مختلفة تتناسب مع دوره والتزاماته الدينية والمدنية. المسلم يساهم بالزكاة (الواجبة) والصدقة (المستحبة) وبالدفاع العسكري، وغير المسلم يساهم بالجزية مقابل الحماية والإعفاء من القتال. فأين الظلم أو الإذلال في نظام يضمن الحقوق ويوزع الواجبات بهذا العدل؟

إن تشويه مصطلح "الجزية" هو جزء من حملة أوسع لتشويه عدل الإسلام ورحمته، بينما تُمارس اليوم أشكال من الجباية والضرائب الحديثة التي تُثقل كاهل الناس أضعافًا مضاعفة دون أن توفر لهم نفس القدر من الأمان أو الحقوق التي كانت توفرها دولة الإسلام لأهل الذمة.

الأهم من ذلك هو التطبيق العملي لهذا المبدأ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين. لم يُعرف عنهم أنهم أمروا بإهانة أهل الذمة أو تحميلهم فوق طاقتهم عند أخذ الجزية. بل على العكس، كانت وصاياهم تشدد على الرفق بهم وعدم تكليفهم فوق طاقتهم.

الخليفة عمر بن الخطاب عندما رأى يهوديًا كبيرًا في السن يسأل الناس، سأله عن حاله، فلما عرف أنه يدفع الجزية ولا يجد ما يكفيه، لم يكتفِ بإسقاط الجزية عنه، بل أمر له ولأمثاله برزق من بيت مال المسلمين، وقال كلمته الشهيرة: "ما أنصفناه، أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم!". فأي ظلم في هذا الموقف؟

وعمر بن عبد العزيز وجّه ولاته بمنع أي إهانة لأهل الذمة عند أخذ الجزية، وشدد على أخذها بالرفق.

إذًا، "جهاد الطلب" لم يكن "غزوًا" لفرض الدين، بل كان "تحريرًا" للعقول والأرض من الظلم، لتمكين الناس من ممارسة حقهم الإنساني الأصيل في الاختيار بلا قهر أو إكراه.

جزية النهب الغربية وجرائم السطو المقنّع

وهنا تكمن المفارقة المدهشة والأكثر إيلامًا: إن نفس الجهات التي تنتقد وتُشوه مفهوم "جهاد الطلب" الإسلامي، وتصف "الجزية" (التي كانت عقد أمان وحماية واضح مقابل مبلغ زهيد يُعفى منه الضعفاء) بأنها "إذلال" و"ابتزاز"... هي نفسها التي تمارس، وتؤيد، وتسكت عن أبشع أشكال "جباية النهب" وجرائم "السطو المقنّع" في العصر الحديث تحت مسميات براقة مثل "نشر الديمقراطية" أو "المساعدات العسكرية" أو "الاستثمار"!

لقد رأينا كيف خاضت دول غربية (وعلى رأسها أمريكا وبريطانيا وفرنسا ودول أوروبا "المتحضرة") حروبًا واحتلالات (في العراق وأفغانستان والصومال ومالي، وغيرها في أنحاء العالم)، ليس لإزالة حاجز أمام دعوة سلمية، بل لفرض أنظمة موالية بالقوة، وللسيطرة المطلقة على الثروات والمواقع الاستراتيجية.

ولننظر إلى ليبيا (2011) كمثال مأساوي. تحت شعار "حماية المدنيين" و"نشر الديمقراطية"، تدخل حلف الناتو عسكريًا، متجاوزًا تفويضه الأممي، فدمّر البنية التحتية للدولة، وأسقط النظام بالقوة، ثم ترك البلاد تغرق في فوضى عارمة وحرب أهلية لا تزال مستعرة حتى اليوم. والنتيجة؟ لم تكن "ديمقراطية" مزعومة، بل كانت دولة فاشلة، ونهبًا منظمًا لثرواتها النفطية الهائلة، وتحولها إلى بؤرة لعدم الاستقرار وتهريب السلاح والبشر في المنطقة بأكملها. أهذا هو "التحرير" الذي يعدون به؟ أم هو تدمير ممنهج للدول وتفكيك للمجتمعات لضمان استمرار الهيمنة والنهب؟

وهنا يتجلى النفاق في أوضح صوره: هم ينتقدون "جزية" الإسلام التي كانت تضمن الأمن والحقوق مقابل عقد واضح ومبلغ بسيط... بينما يفرضون هم "جزية النهب والسطو" التي لا تُبقي ولا تذر، وبدون أي عقد أو ضمان حقيقي!

يسرقون ثروات الشعوب بشكل مباشر (النفط، الغاز، اليورانيوم، الذهب، الماس...).

يفرضون "إتاوات حماية" مهينة: انظر إلى ما تفعله أمريكا اليوم مع دول مثل أوكرانيا، حيث تطالبها فعليًا بتسليم أصولها وثرواتها المستقبلية مقابل "دعم عسكري" غير مضمون النتائج، أشبه بـ "جزية" تُدفع للمهيمن (أو: للحليف الأكبر) دون أي عهد حقيقي بالحماية!

يمارسون السطو الاقتصادي: انظر إلى الضغوط الهائلة التي تمارسها أمريكا على دول الخليج الغنية (مثل قطر والإمارات والسعودية) لإجبارها على ضخ تريليونات الدولارات كـ "استثمارات" في الاقتصاد الأمريكي المترنح. هذه ليست "استثمارات" طوعية بقدر ما هي عملية نهب وسطو واضحة لأموال شعوب أخرى تحت التهديد السياسي والعسكري المبطن!

يستعبدونهم اقتصاديًا عبر الديون الربوية وشروط صندوق النقد والبنك الدولي المجحفة، التي تضمن بقاءهم تابعين للأبد.

ولنأخذ مثال "القروض الميسرة" أو "برامج التكيف الهيكلي" التي يفرضها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي (وهما مؤسستان تهيمن عليهما القوى الغربية) على الدول النامية المتعثرة. في الظاهر، هي "مساعدة" للخروج من الأزمة، لكن شروطها المجحفة غالبًا ما تتضمن: خصخصة القطاعات العامة الرابحة (لتشتريها الشركات الغربية بأبخس الأثمان!)، رفع الدعم عن السلع الأساسية (مما يفقر الشعوب)، فتح الأسواق على مصراعيها للمنتجات الغربية (مما يدمر الصناعات المحلية)، وإعطاء الأولوية لسداد الديون الربوية على حساب الإنفاق على الصحة والتعليم. والنتيجة؟ إغراق هذه الدول في حلقة مفرغة من الديون والتبعية، ونهب منظم لثرواتها تحت غطاء "الإصلاح الاقتصادي". أي "جزية" أبشع من هذه التي تستعبد الأجيال القادمة وتسرق مستقبل الأوطان بأكملها باسم "المساعدة الدولية"؟

يتركونهم عمدًا في فقر وجهل ومرض، ليظلوا أسواقًا لمنتجاتهم ومصادر رخيصة لمواردهم.

هذه هي "الجزية الغربية" الحقيقية! جزية تُجبى بدماء الشعوب ودمار أوطانهم وثروات أجيالهم، جزية مستمرة لم تنتهِ فعليًا إلى الآن، تتخذ اليوم أشكالاً "ناعمة" كالمعاهدات الجائرة والهيمنة الثقافية والاقتصادية، بعد أن كانت تُجبى بالدبابات والمدافع.

وماذا كانت النتيجة الفعلية لهذا "الغزو الحديث" وجرائم السطو التي يمارسونها؟

لم تكن تحريرًا للشعوب، بل كانت دمارًا للدول وتفكيكًا لهويتها.

لم تكن ضمانًا للحقوق، بل كانت نهبًا للثروات وسرقة ممنهجة لمقدرات الأجيال.

لم تكن "فتحًا" يجلب الأمان والتعايش، بل كانت "غزوًا" يغرق المجتمعات في فوضى وحروب أهلية لا تنتهي.

شتان والله بين "تحرير" يهدف لرفع الظلم ويضمن حقوق الجميع مقابل عقد واضح ومبلغ زهيد (كما حدث في مصر والقدس)، وبين "غزو" يُشنّ تحت شعارات زائفة، ليُدمّر الأوطان ويَنهب الثروات ويمارس السطو المقنع ويُخلّف وراءه الفوضى والتبعية الدائمة. إنها مقارنة تكشف حجم النفاق والتناقض في المعايير التي يُحاكم بها الإسلام اليوم.

البرهان القاطع: لماذا أسلمت مصر إذن؟

ولكن، قد يسأل سائل بذكاء: إذا كان الإسلام قد ضمن حرية الدين للأقباط، ولم يُجبر أحدًا، فلماذا أصبحت مصر اليوم ذات أغلبية مسلمة؟

هذا سؤال مهم، وإجابته هي البرهان القاطع على صدق مبدأ {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}.

التحول إلى الإسلام في مصر لم يحدث بقرار سياسي أو بضغط عسكري بعد الفتح. بل كان عملية تاريخية طويلة، وتدريجية، واختيارية تمامًا، استمرت لعدة قرون.

نعم، لقد ظلت مصر ذات أغلبية مسيحية لقرون طويلة بعد الفتح الإسلامي!

إذًا، ما الذي دفع الناس تدريجيًا إلى اختيار الإسلام؟ لقد رأى الكثير من المصريين في الإسلام جاذبية العدل والبساطة، خاصة عند مقارنته بالظلم الطبقي والخلافات اللاهوتية المعقدة التي عانوا منها تحت الحكم البيزنطي.

لقد رأوا السلوك العملي للمسلمين الفاتحين والحكام الأوائل، وتطبيقهم لمبادئ العدل والرحمة، فكان هذا "نموذجًا" حيًا جذبهم للتعرف على هذا الدين. ومع مرور القرون، حدث تفاعل حضاري طبيعي، من تزاوج ومصاهرة، وانخراط طوعي في ثقافة الدولة، وجهود سلمية للدعاة والعلماء، مما أقنع الكثيرين بمرور الزمن.

إذًا، لم يكن التحول نتيجة "سيف" الفاتحين، بل نتيجة قرون من التعايش، والتفاعل، والاختيار الفردي الحر.

وهذا بحد ذاته دليل مدهش آخر على أن هدف الفتح لم يكن "أسلمة" الناس بالقوة، بل "تحريرهم" ومنحهم الأمان والعدل، ثم ترك الخيار لقلوبهم وعقولهم على مر الأجيال. شتان بين هذا النموذج "التحريري"، وبين نماذج "الاستعمار" الذي يمحو الهوية ويفرض ثقافة المنتصر بالقوة.