لماذا تشتعل الحروب عبر التاريخ؟ لو ألقيت نظرة سريعة، ستجد الإجابات تتكرر: من أجل السيطرة على الأرض والموارد، من أجل توسيع النفوذ السياسي، من أجل الثأر والانتقام القبلي، من أجل المجد الشخصي للقادة، أو حتى من أجل فرض أيديولوجية معينة بالقوة. بصراحة، كلها دوافع تبدو "منطقية" في عالم لا يهتدي بنور الوحي وتحكمه المصالح الأرضية البحتة.
لكن، الإسلام جاء هنا بمفهوم مختلف تمامًا، مفهوم قد يبدو غريبًا أو حتى "غير واقعي" لمن اعتاد على حسابات السياسة والمادة. لقد وضع الإسلام شرطًا داخليًا خفيًا، لا يطّلع عليه إلا الله، .لكنه يحدد شرعية القتال برمته، ويرفع معناه من عمل دنيوي بحت إلى مرتبة العبادة.
هذا الشرط هو: النية. أن يكون القتال "فِي سَبِيلِ اللَّهِ" حصرًا.
ما معنى "في سبيل الله" حقًا؟
هل هو مجرد شعار يُرفع على الرايات؟ هل هو غطاء ديني لتمرير حروب المصالح، كما تفعل الكثير من الأمم؟ الإسلام يجيب بوضوح قاطع: لا.
"في سبيل الله" تعني أن الدافع الوحيد، والمحرك الأساسي للمعركة، يجب أن يكون ابتغاء وجه الله، والسعي لتحقيق ما يرضيه. وما الذي يرضيه؟
إقامة العدل.
رفع الظلم عن المستضعفين.
حماية الحق في الاعتقاد (لا إجبار الناس عليه).
رد العدوان الذي وقع على الأمة.
إنه يعني، بالضرورة، تطهير القلب تمامًا من أي شائبة أخرى:
لا قتال من أجل الغنيمة والثروة. (فالغنيمة تأتي كنتيجة، لا كهدف).
لا قتال من أجل العصبية القبلية أو القومية أو الوطنية. (الحميّة الجاهلية).
لا قتال من أجل السمعة والتباهي بالشجاعة أمام الناس. (الرياء).
لا قتال من أجل الانتقام الشخصي أو تشفّي الصدور.
كل هذه الدوافع "الأرضية" تسقط القتال فورًا من مرتبة "الجهاد" المقدس، إلى مجرد "قتال" جاهلي لا قيمة له عند الله، حتى لو بدا ظاهره نصرةً للدين.
ميزان النوايا: حديث واحد يختصر كل شيء
والدليل على هذا التمحيص الدقيق للنية، هو ذلك الحوار المدهش الذي يعتبر "ميزان النوايا" في الإسلام. لقد سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أصناف من المقاتلين (وهي نماذج تتكرر في كل عصر): "الرجل يقاتل للمغنم (من أجل الغنيمة)، والرجل يقاتل للذِّكر (ليُذكر ويشتهر بالشجاعة)، والرجل يقاتل ليرى مكانه (ليُعرف بين الناس أنه بطل)... فمن في سبيل الله؟"
فجاء الجواب النبوي الحاسم الذي وضع الميزان النهائي لكل قتال إلى يوم القيامة: "مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ." [متفق عليه].
"كلمة الله" هنا ليست مجرد شعار يُرفع، بل هي منظومة القيم الإلهية: العدل، والحق، والرحمة، وتحرير الإنسان من عبادة غير الله. فمن قاتل لتكون هذه القيم هي العليا، وليس مجده الشخصي أو غنيمته أو عصبية قومه، فهو وحده من يقاتل "في سبيل الله".
لماذا النية هي "الضمانة الأخلاقية" الأولى؟
هذا الشرط "السري" للنية هو، في رأيي، أهم وأدق ما يميز أخلاق الحرب في الإسلام.
لماذا؟ لأنه يجعل المقاتل رقيبًا على قلبه قبل أن يكون رقيبًا على سلاحه. إنه "بوصلة داخلية" تضبط كل حركة في المعركة، وتجعل المقاتل مسؤولاً مباشرة أمام الله، لا أمام قائد جيشه أو محكمة أرضية.
فكر فيها بمنطق: المقاتل الذي يخرج وهو يعلم أن الله ينظر إلى قلبه (كما في الحديث: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ")، كيف يمكنه أن يرضي الله بارتكاب ما يغضبه؟
كيف يمكن أن يقتل طفلًا بريئًا والله يأمره بالرحمة؟
كيف يمكن أن يغدر بعهد أعطاه باسم الله والله يحرم الغدر؟
كيف يمكن أن يسرق من الغنيمة (يغلّ) والله يراقبه؟
كيف يمكن أن يمثل بجثة والله كرم بني آدم؟
إن النية "في سبيل الله" ليست مجرد حالة روحية منعزلة، بل هي الضمانة الأخلاقية الأولى التي تجعل الوسيلة شريفة ونبيلة كشرف الغاية ونبلها.
فلا يمكن الوصول إلى "كلمة الله العليا" عبر وسائل دنيا لا يرضاها الله.
بل إن الفقه الإسلامي يذهب أبعد من ذلك، فيقرر أن العمل العسكري مهما بدا بطوليًا، إذا شابته نية فاسدة (كرياء أو عصبية أو طلب للدنيا)، فإنه لا يُعتبر جهادًا ولا يُثاب صاحبه، بل قد يُعاقب عليه. وهذا ما يؤكده حديث 'أول من تُسعّر بهم النار يوم القيامة' ومنهم المجاهد الذي قاتل ليُقال جريء، فقد قيل. (رواه مسلم). هذا التمييز الدقيق بين 'القتال' و 'الجهاد' بناءً على النية هو فريد في التشريع الإسلامي.
حروب "الشعارات" وحروب "الغايات"
ولننظر إلى واقعنا لنرى الفرق بوضوح: كم من الحروب الحديثة شُنت تحت شعارات براقة مثل "نشر الديمقراطية" أو "محاربة الإرهاب" أو "التدخل الإنساني" أو "حماية الأمن القومي"؟
لكن، ما إن تنجلي غبرة المعارك، حتى يكتشف العالم أن الدوافع الحقيقية كانت شيئًا آخر تمامًا:
السيطرة على موارد النفط والغاز.
تأمين طرق التجارة العالمية.
إسقاط أنظمة لا تخدم مصالح القوى الكبرى.
بيع السلاح وتجربة التقنيات العسكرية الجديدة.
لنأخذ غزو العراق عام 2003 كمثال صارخ. قُدم للعالم مبرر "أسلحة الدمار الشامل" الذي ثبت كذبه بشكل فاضح. ورغم الدمار الهائل الذي لحق بالبلاد ومقتل مئات الآلاف من المدنيين، فإن الدوافع الحقيقية كانت تتعلق بالسيطرة على "الذهب الأسود" وإعادة رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط.
عندما يكون الدافع هو "النفط" أو "النفوذ الجيوسياسي"، وليس "كلمة الله هي العليا"، فمن الطبيعي جدًا أن تسقط كل الاعتبارات الأخلاقية. يصبح المدنيون "أضرارًا جانبية" مقبولة. ويصبح تدمير البنية التحتية "ضرورة عسكرية". ويصبح نهب ثروات البلاد "إعادة إعمار".
إن الفارق الذي يصنعه "الإخلاص لله" في النية ليس مجرد فارق روحي، بل هو فارق "أخلاقي" جذري يغير طبيعة الحرب بأكملها. فالذي يقاتل من أجل الله، لا يمكن أن يستبيح الحرمات لتحقيق نصر زائل. أما الذي يقاتل من أجل الدنيا، فسيجد ألف مبرر ومبرر ليسحق كل قيمة إنسانية في طريقه نحو هدفه المادي.