الرئيسية سقط القناع الفهرس الفصل 1
الفصل 1

"حتى في الحرب.. هناك رحمة؟": الفكرة الصادمة التي غيّرت العالم القديم.

تخيّل معي للحظة... عالمٌ لا يعرف للرحمة مكانًا في قاموس القوة. عالمٌ القوة فيه هي الحق الأوحد، وشريعة الغاب هي الدستور الفعلي. عالمٌ تغرق فيه الأرض تحت سنابك خيل الغزاة، وتُبنى أمجاد الإمبراطوريات العظمى على جماجم الشعوب المغلوبة. عالمٌ تكون فيه الحرب هي الأصل، والسلام ليس سوى استراحة مُقاتل عابرة بين دماء ودماء.

هذا، يا صديقي، لم يكن خيالًا... بل كان واقع الأرض الثقيل والمظلم قبل أربعة عشر قرنًا.

بربرية مُقنّعة باسم "الحضارة"

كانت القوى العظمى آنذاك، "فارس" شرقًا و"الروم" غربًا، تتقاسم الكوكب بمنطق الحديد والنار. جيوشهم تجتاح الممالك الصغيرة الضعيفة، تستعبد أهلها، تنهب خيراتها، وكل ذلك يتم بكل فخر تحت لافتة "الحضارة" أو "المجد الإمبراطوري".

هل قرأت يومًا عن "مسيرة النصر" الرومانية؟ لم تكن مجرد احتفال، بل كانت استعراضًا للقوة عن طريق إذلال الأسرى. هل سمعت عن صلبهم لآلاف الأسرى على قارعة الطريق كـ "رسالة رعب" لكل من يفكر في التمرد؟ أو عن تدميرهم لقرطاج، منافستهم الكبرى، تدميرًا كاملاً لدرجة أنهم (كما تقول الروايات) حرثوا أرضها بالملح حتى لا تنبت زرعًا بعدها أبدًا؟

ولم يكن الأمر مقتصرًا على الإمبراطوريات الكبرى، فحتى الحروب القبلية في مختلف أنحاء العالم، من أوروبا الوثنية إلى أمريكا ما قبل كولومبوس، كانت غالبًا ما تنتهي بمذابح جماعية أو استرقاق كامل للقبيلة المهزومة. فكرة 'حقوق الأسير' أو 'حرمة المدني' كانت شبه غائبة عن الضمير الإنساني العام.

هذه الممارسات، في الواقع، لم تكن "جرائم حرب" استثنائية كما نسميها اليوم، بل كانت جزءًا أصيلاً من "فن الحرب" المتعارف عليه والمقبول تمامًا.

جاهلية لا تعرف الرحمة

وماذا عن قلب الجزيرة العربية، مهد الرسالة القادمة؟

صحيح، كان لأهلها شمائل فطرية أصيلة: كرم يُضرب به المثل، وشجاعة تُحكى عنها الأشعار، ووفاء نادر. لكن، ومع ذلك، كل هذا النبل الفطري ضاع في ظلمات "الجاهلية".

لقد كانت بوصلتهم الأخلاقية معطلة تمامًا. عبادة أصنام لا تنفع ولا تضر، ووأد للبنات خوفًا من العار، وعصبية قبلية عمياء تجعل الحرب تستمر أربعين عامًا كاملة بسبب ناقة واحدة كما في "حرب البسوس"، الاصطفاف الأعمى للقبيلة حتى في حالة الظلم الصريح.

ولم تكن حرب البسوس حالة استثنائية، بل كانت حالة الحرب والثأر هي القاعدة السائدة التي لا تعرف الرحمة، كما يصف المستشرق والرسام الفرنسي إيتيان دينيه، الذي اعتنق الإسلام لاحقًا: "كان ميل العرب إلى التباهي، وحساسيتهم المرهفة فيما يتعلق بالكرامة وكبرياؤهم، من أكبر العقبات التي تمنعهم من الخضوع للنظام... وكان من الطبيعي أن تستمر الحرب فلا تنقطع، وأن يحل الثأر، الذي لا هوادة فيه ولا رحمة، محل التقاضي، فتسيل الدماء في كل بقاع الجزيرة العربية".

يوضح هذا الوصف كيف أن الثقافة الجاهلية نفسها كانت تغذي حالة الحرب الدائمة وتجعل منطق الثأر هو السائد، مما يبرز قيمة التغيير الجذري الذي أحدثه الإسلام بإرساء قواعد العدل بدلاً من العصبية.

كانت الحرب في هذا الوقت طقسًا اجتماعيًا، ومجالًا للتفاخر. الشاعر يُخلّد اسم القاتل لا اسم المنقذ.

والمجد يُقاس بعدد الرؤوس المقطوعة، لا بعدد الأرواح المحفوظة. أما الرحمة بالعدو المهزوم؟ كلمة لا معنى لها في قاموسهم. الأسير إما يُقتل، أو يُباع عبدًا، أو يُترك ليموت جوعًا.

المنتصر يفعل ما يشاء، فهذا "حقه" الطبيعي. لا قانون يردعه. ولا ضمير يؤنبه. ولا إله يُحاسبه بنظرهم.

القنبلة الأخلاقية: "ولا تعتدوا"

وفي وسط هذا الليل الطويل المظلم... في قلب تلك الصحراء التي لم تكن تعرف سوى قانون القوة... جاء الإسلام.

وجاء معه بفكرة بدت في ذلك الوقت أغرب من الخيال... فكرة صادمة بكل المقاييس التي عرفها البشر: "حتى في الحرب... هناك رحمة."

ماذا؟ رحمة في الحرب؟! في لحظة الغليان والدم والانتقام؟ كيف يمكن أن يُطلب من المنتصر، وهو في أوج قوته ونشوته، أن يضبط نفسه؟ أن يكبح سيفه؟ أن يحترم حق عدوه الذي كان يريد قتله قبل لحظات؟

لقد كانت هذه الدعوة انقلابًا جذريًا على كل "مسلّمات" القوة التي عرفها البشر.

كانت ثورة أخلاقية حقيقية. فالعالم لم يكن يعرف إلا قانونًا واحدًا: البقاء للأقوى. أما الإسلام فجاء بقانون جديد تمامًا: البقاء للأتقى. تلك التقوى التي تمنعك من الظلم حتى وأنت قادر عليه تمامًا.

الإسلام، في الواقع، لم يأتِ بنظام ملائكي خيالي. لم يقل "ألغوا الحروب"، فهو يعلم أنها جزء من واقع البشر وتقلباتهم ما دام هناك ظلم وعدوان. لكنه جاء ليحول هذه الحرب... من "فوضى وحشية" تُدار بالغرائز والانتقام، إلى "عملية منضبطة" تُدار بضوابط فريدة مصدرها رب السماء والأرض.

قال للعالم لأول مرة:

حتى في ذروة الغضب... هناك حدود إلهية لا يجوز تجاوزها.

حتى في لحظة النصر... لا يجوز أن يُنسى العدل، ولا تُهدر الكرامة الإنسانية.

وهذا ما تجسّد في تلك الآية القرآنية التي كانت بمثابة "القنبلة الأخلاقية" الأولى في وجه ذلك العالم الوحشي: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ... وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}. [البقرة: 190]

تخيّل مقاتلًا يحمل السيف بيدٍ ترتجف من خشية الله. أمامه عدوٌّ كان يطارده منذ لحظات، لكن صوت الآية ما زال يدوّي في قلبه: ولا تعتدوا. في تلك اللحظة، يحدث الصدام الأعظم بين غريزة الانتقام وصوت الضمير. ذلك الصراع الداخلي هو ما جعل من المسلم الحقيقي إنسانًا يسمع أوامر الله فوق صخب الدماء. إنها لحظة انتصار الروح على الغريزة، تلك هي المعجزة الأخلاقية التي لا تصنعها الجيوش بل الإيمان.

وتأمل معي هذا الدستور: "الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ"... فقط! إنه تحديد مدهش يضع "مبدأ التمييز" لأول مرة في التاريخ، فيعزل غير المحاربين تمامًا عن دائرة الصراع. ثم القيد المطلق: "وَلَا تَعْتَدُوا"... مهما كانت الظروف!

بهذه الكلمات البسيطة، وُلد عصر جديد في تاريخ الإنسانية. عصر لم تعد تُقاس فيه القوة بكمية الدماء المسفوكة، بل بقدرة الإنسان على كبح وحشيته الداخلية حين ينتصر. قد يبدو هذا مألوفا اليوم لمن يقرأ مواثيق "جنيف" وينخدع بها. لكن تخيل سماع هذا الكلام لأول مرة في عالمٍ يعتبر الإبادة فخرًا، والتمثيل بالجثث بطولة! لقد كانت فكرة صادمة حقًا.

الصدام مع الواقع: عندما تُصبح الإبادة "عبادة"

قد تظن أن هذا مجرد تاريخ قديم تجاوزته البشرية "المتحضرة". لكن مهلًا... انظر فقط إلى ما حدث ويحدث في غزة! لقد شاهدنا بأم أعيننا كيف يمكن لجيش حديث، مدعوم بأقوى دول العالم، أن يمارس ما وصفته محكمة العدل الدولية بأنه قد يرقى إلى "إبادة جماعية". لقد رأينا استهدافًا ممنهجًا للأطفال والنساء، قصفًا للمستشفيات والمدارس، ومحاولة لتحويل قطاع بأكمله إلى مكان غير قابل للحياة، ومنها قصف مستشفى المعمداني الذي أودى بحياة المئات"، "استهداف مدارس الأونروا التي تؤوي النازحين بشكل متكرر"، "مشاهد قتل الأطفال وهم يحملون الرايات البيضاء"، "استشهاد عائلات بأكملها ومحوها من السجل المدني.

والأخطر والأكثر إثارة للصدمة، هو الغطاء الديني الذي استُخدم لتبرير هذه الوحشية! لقد سمعنا بأذاننا قادة إسرائيليين يستدعون نصوصًا توراتية قديمة لتأجيج مشاعر الجنود وتصوير الفلسطينيين كـ "عماليق" يجب إبادتهم. رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نفسه، استشهد بسفر صموئيل الأول قائلاً لجنوده: "تذكروا ما فعله بكم عماليق"!

وماذا يقول النص الذي يستشهد به هذا القائد في القرن الحادي والعشرين؟ إنه يأمر، كما يُزعم باسم الرب، ليس فقط بقتل المقاتلين، بل بإبادة شاملة مروعة: "فَالآنَ اذْهَبْ وَاضْرِبْ عَمَالِيقَ، وَحَرِّمُوا (أي دمروا تدميرًا كاملاً) كُلَّ مَا لَهُ وَلاَ تَعْفُ عَنْهُمْ بَلِ اقْتُلْ رَجُلًا وَامْرَأَةً، طِفْلًا وَرَضِيعًا، بَقَرًا وَغَنَمًا، جَمَلًا وَحِمَارًا." (سفر صموئيل الأول 15: 3).

توقف هنا واستوعب هول الكلمات! "طفلاً ورضيعًا"!! بل وحتى الحيوانات! إنها دعوة صريحة للإبادة الجماعية، تُقدم كـ "فريضة دينية"!

ليست حالة معزولة، بل فلسفة متجذرة

ولكي لا نظن أن هذا النص هو "حالة معزولة" تم اجتزاؤها من سياقها، دعنا ننظر إلى القاعدة العامة للحرب المقدسة (الحِرِ‌م) كما يضعها سفر التثنية عند الدخول إلى مدن الأعداء:

"وَأَمَّا مُدُنُ هؤُلاَءِ الشُّعُوبِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيبًا فَلاَ تَسْتَبْقِ مِنْهَا نَسَمَةً مَّا، بَلْ تُحَرِّمُهَا تَحْرِيمًا: الْحِثِّيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالْكَنْعَانِيِّينَ وَالْفِرِزِّيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ، كَمَا أَمَرَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ." (سفر التثنية 20: 16-17).

"لا تستبقِ منها نسمةً ما"! هذا هو الأمر العام. وكيف كان التطبيق العملي لهذا الأمر؟ يخبرنا سفر يشوع عن احتلال مدينة أريحا:

"وَحَرَّمُوا (أي أبادوا) كُلَّ مَا فِي الْمَدِينَةِ مِنْ رَجُل وَامْرَأَةٍ، مِنْ طِفْل وَشَيْخٍ - حَتَّى الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ وَالْحَمِيرَ - بِحَدِّ السَّيْفِ." (سفر يشوع 6: 21).

إذًا، نحن أمام فلسفة حرب متكاملة تعتبر إبادة المدنيين، بمن فيهم الأطفال والشيوخ، جزءًا لا يتجزأ من "الواجب المقدس" لضمان النقاء العرقي أو الديني للأرض.

وعندما يستدعي قائد سياسي حديث هذه النصوص، فهو لا يقتبس التاريخ، بل يُفعّل عقيدة قتالية تنزع الإنسانية عن الضحية، وتحوّل القتل من "جريمة" إلى "واجب مقدس"، وتجعل الإبادة "عبادة".

والمفارقة المرة أن هذا الاستدعاء لنصوص الإبادة ليس مجرد خطاب ديني متطرف معزول، بل هو امتداد لفكر استعماري غربي طويل اعتبر الشعوب الأخرى "أدنى" أو "عائقًا" يجب إزالته. ألم يُبِد المستعمرون الأوروبيون شعوبًا أصلية بأكملها في الأمريكتين وأستراليا تحت دعاوى "تفوق العرق الأبيض" أو "نشر الحضارة"؟ ألم تُرتكب مذابح مروعة بحق السكان الأصليين، وتُبرر بأنهم "متوحشون" لا يستحقون الأرض التي يعيشون عليها؟ إن استدعاء نصوص "عماليق" اليوم ليس إلا صدى لتلك الذهنية الإقصائية التي ترى في الآخر تهديدًا وجوديًا يجب سحقه بلا رحمة، حتى لو ارتدت اليوم قناع "الدفاع عن النفس".

والمفارقة الأشد مرارة، أن هذا الخطاب المتطرف لم يجد الإدانة الكافية من داعمي إسرائيل في الغرب، بل استمر الدعم العسكري والسياسي بلا هوادة. بل إن بعض المسؤولين والسياسيين (خاصة من اليمين الديني أو التيار الإنجيلي) لا يخفون أن دعمهم المطلق لإسرائيل ينطلق من قناعات دينية توراتية يرون فيها أن دعم "شعب الله المختار" هو "واجب إنجيلي" لتحقيق نبوءات آخر الزمان!

قال رئيس مجلس النواب الأمريكي مايك جونسون: إن هناك توجيها في الإنجيل يدعو للوقوف إلى جانب إسرائيل.

وقال السفير السفير الأمريكي في إسرائيل مايك هاكابي أثناء لقاء له مع الحاخام موشيه هليل هيرش: "لم يختر الله شعبا فحسب، بل اختار مكانا، ثم اختار لهؤلاء الأشخاص في هذا المكان هدفا. الشعب كان الشعب اليهودي، والمكان إسرائيل، والهدف أن يكونوا نورا للعالم.. الله لم يتخلّ يوما عن إسرائيل، ولن يتخلى أبدا. فهي الوطن الأبدي الذي اختاره".

وقال السيناتور الأمريكي تيد كروز عن سر دعمه للكيان الصهيوني في لقاء مع الصحفي تاكر كارلسون: تعلمت في مدرسة الأحد أن من يبارك إسرائيل يُبارك ومن يلعن إسرائيل يُلعن.

الصرخة الإسلامية الأولى: "لا تقتلوا طفلًا!"

والآن، عد بذاكرتك 14 قرنًا إلى الوراء. في وسط هذا العالم الذي يبرر الإبادة بنصوص "مقدسة"، وفي قلب الجزيرة العربية التي لم تكن تعرف إلا الثأر... جاء الإسلام.

وجاء معه بصرخة مدوية ضد هذا المنطق الدموي، صرخة بدت صادمة ومستحيلة في ذلك الزمن: "حتى في الحرب... هناك رحمة!" "لا تقتلوا طفلاً!"

بدلاً من الأمر بقتل "الرجل والمرأة والطفل والرضيع"، جاءت الآية القرآنية المحورية لتضع قيدًا ثوريًا: {...وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}.

قارن الصدمة بين النصين:

هناك: "اقتل الطفل والرضيع..." (إبادة شاملة مُقدّسة!).

هنا: "قاتلوا فقط الذين يقاتلونكم"، "ولا تعتدوا" (تمييز دقيق وحرمة مطلقة لغير المقاتل).

وجاءت السنة النبوية لتؤكد هذا بشكل قاطع لا لبس فيه، في وصايا النبي لجيوشه: "لَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا شَيْخًا فَانِيًا". وعندما رأى النبي صلى الله عليه وسلم امرأة مقتولة في إحدى المعارك، غضب غضبًا شديدًا وقال مستنكرًا: "مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ؟!".

لقد جاء الإسلام ليضع حدًا فاصلاً بين "الحرب" كضرورة مؤلمة لرد العدوان، وبين "الإبادة" كجريمة وحشية. جاء ليقول إن قدسية الحياة التي وهبها الله، خاصة حياة الأبرياء، تسمو فوق كل اعتبار، حتى في أوج المعركة.

إن صرخة "لا تقتلوا طفلاً" التي أطلقها الإسلام قبل 14 قرنًا، لم تكن مجرد قانون حرب متقدم، بل كانت ثورة أخلاقية ضد منطق الإبادة "المقدسة" الذي نرى اليوم كيف يمكن إحياؤه وتوظيفه لتبرير أبشع الجرائم.

وهذا بالضبط ما يجعل هذا المبدأ الإسلامي ليس مجرد "حقيقة مدهشة" نقرأها في كتب التاريخ، بل ضرورة إنسانية ملحة لإنقاذ