2. "السلام أولاً، دائماً": القاعدة المنسية في فلسفة الحرب الإسلامية.أرجوك، حاول أن تنسى للحظات تلك الصورة النمطية العالقة في ذهنك عن الإسلام وكأنه دين "سيف" فقط. استعد لسماع قاعدة أساسية، ولكنها مهمَلة أو ربما تُتجاهَل عمدًا في خضم النقاشات الحادّة: في الإسلام، الأصل هو السلام، دائمًا.
نعم، قرأت هذا الكلام بشكل صحيح. السلام هو الحالة الطبيعية والفطرية التي أرادها الله، إنه القاعدة الراسخة. أما الحرب، فهي مجرد استثناء مؤلم، هي في الحقيقة "آخر الدواء الكي"، الذي لا يُلجأ إليه إلا اضطرارًا وبإكراه، وذلك حصرًا لرد عدوان غاشم بدأه الآخرون، أو لرفع ظلم بات لا يمكن دفعه إلا بالقوة.
السلام: في جوهر العقيدة واللغة
هذا ليس مجرد كلام عاطفي مثالي أو شعار فضفاض يُرفع بلا مضمون.
على العكس تمامًا، إنه جزء أصيل ومتأصل في الفلسفة التشريعية للإسلام.
من الناحية اللغوية والعقائدية: كلمة "الإسلام" نفسها مشتقة من الجذر "س-ل-م"، الذي يحمل في طياته معنى السلام، والاستسلام لله. تحية المسلمين الخالدة هي "السلام عليكم"، واتخذ الله لنفسه اسم "السلام". كيف يمكن لدين جوهره "السلام" أن يجعل "الحرب" هي الأصل؟
هذا تناقض لا يستقيم منطقًا.
إلزامية قبول السلام (حتى في قلب المعركة)
والدليل الأقوى الذي يثبت أن "السلام أولًا" ليس مجرد أمنيات بسيطة، هو ذلك الأمر الإلهي الواضح والصريح الذي نزل ليحكم سلوك المؤمنين حتى في أحلك اللحظات وأكثرها توترًا: أثناء القتال الملتهب.
تخيل المشهد: أنت الآن في قلب المعركة، ربما تكون الكفة تميل لصالحك، وفجأة يُظهر عدوك أي ميل بسيط نحو وقف القتال. ماذا يملي عليك منطق الحرب الأرضي؟
غالبًا ما سيقول لك: "لا تضيع الفرصة! اسحقه الآن، هذا هو وقت القضاء عليه نهائيًا!". لكن، ومع ذلك، الإسلام يتدخل ليقول شيئًا مختلفًا تمامًا:
قال الله تعالى في سورة الأنفال: {وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنفال: 61].
دعنا نتأمل دلالة الكلمات قليلًا:
{وَإِن جَنَحُوا}: كلمة "جنح" تحمل معنى "مال" أو "أظهر ميلًا". أي أن الأمر لا يتطلب منهم تقديم عرض كامل ومفصّل للاستسلام؛ يكفي أن يُظهروا مجرد بادرة بسيطة، مجرد ميل نحو إيقاف القتال.
{فَاجْنَحْ لَهَا}: هنا يكمن الإلزام الفوري. الفاء تدل على التعقيب الفوري، والأمر "اجنح" هو إلزام شرعي لا خيار فيه. ليس مسموحًا لك فقط أن تقبل السلام، بل يجب عليك أن تميل إليه فورًا كما مالوا هم.
{وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ}: هذه الآية تختتم بتطمينات إلهية موجهة ضد الخوف البشري الطبيعي من "الخديعة" أو "المكر". قد يتردد القائد ويفكر: "ربما تكون مجرد خدعة للاستراحة وإعادة التموضع!". فيأتي الجواب الإلهي الفاصل: قم بواجبك الأخلاقي بالميل للسلم، واترك أمر البواطن على الله، فهو وحده السميع العليم الذي لا تخفى عليه خائنة الأعين وما تُخفي الصدور.
هذا الأمر الرباني، بكل بساطة، يُسقط تمامًا فكرة "الحرب الشاملة" أو "الإبادة النهائية للعدو" التي تسيطر على الفكر العسكري لكثير من الحضارات.
الهدف ليس الانتقام، وليس القضاء على الطرف الآخر أو فرض استسلامه بلا شروط، كما هو مطلوبٌ في غزة.
الهدف الأسمى هو وقف نزيف الدم، وإحلال العدل بأسرع ما يمكن. حتى لو كنت في قمة قوتك، وحتى لو كان النصر العسكري الساحق قاب قوسين أو أدنى، فإن يد السلام إذا مُدّت إليك، ولو بتردد، يجب عليك أن تقابلها بيدٍ ممدودة.
في الواقع، لم يكن هذا المبدأ مجرد نص نظري يُتلى، بل رأيناه مطبقًا في مواقف تاريخية حاسمة. لنتذكر فقط قبول النبي صلى الله عليه وسلم بـ "صلح الحديبية" بشروطه التي بدت لبعض الصحابة مهينة ومجحفة.
لم يكن قبوله إلا لأنه يفتح بابًا عظيمًا للسلام ويحقن الدماء، مؤكدًا أن الهدف الأسمى ليس الانتصار العسكري الآني، بل فتح فرص جديدة للدعوة والنظر للمستقبل.
وهذا المبدأ الإسلامي {وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} لا يعني فقط قبول السلام عند عرضه، بل يعني أيضًا السعي النشط لتهيئة الظروف التي تجعل السلام ممكنًا، وعدم وضع شروط تعجيزية تهدف لإطالة أمد الحرب بحجة 'النصر الكامل'، وهو ما نراه للأسف نهجًا سائدًا في كثير من صراعات اليوم التي تُدار بمنطق 'تصفير المشاكل' بالقوة العسكرية لا بالحكمة السياسية.
المقارنة الصادمة: غزة تفضح دعاة السلام
والآن، قارن هذه الفلسفة التي تجعل الحرب استثناء والصلح إلزامًا، بما نراه اليوم: سباق تسلح جنوني، مليارات الدولارات تُنفق على أدوات الدمار، انتشار نظريات "الحرب الاستباقية" (Preemptive War) التي تبرر العدوان قبل وقوعه، وإصرار على مطالب "الاستسلام غير المشروط" التي تُطيل أمد الحروب وتضاعف عدد الضحايا.
ولعل المثال الأكثر إيلامًا ووضوحًا في عصرنا هو ما شهدناه ونشهده في غزة.
لقد صرخ العالم كله، من أقصاه إلى أقصاه، مطالبًا بوقف إطلاق النار. هيئات دولية، منظمات إنسانية، شعوب انتفضت في كل القارات... الكل طالب بوقف نزيف الدم. عُرضت مبادرات، قُدمت اقتراحات هدنة، بُذلت جهود دبلوماسية مضنية.
ولكن، ماذا كانت النتيجة؟
رأينا إصرارًا غير مفهوم على استمرار آلة الحرب، ورفضًا متكررًا لكل دعوات وقف الحرب، حتى تلك التي صدرت عن أقرب الحلفاء.
رأينا كيف استخدمت أمريكا حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، مرارًا وتكرارًا، ليس لتحقيق السلام، بل لمنع صدور مجرد قرار يطالب بوقف القتال!
رأينا كيف استمر تدفق الأسلحة بلا توقف إلى الطرف الذي يرفض وقف إطلاق النار وهي إسرائيل، مما أطال أمد حرب (امتدت لعامين كاملين) تحمل كل سمات الإبادة الجماعية.
والأدهى من ذلك، سمعنا تصريحات رسمية من قادة الاحتلال أن أي حديث عن "وقف دائم لإطلاق النار" هو أمر "غير مطروح" وأن الهدف هو "النصر الكامل" أو "القضاء التام"، وهو بالضبط عكس المنطق القرآني الذي يأمر بالجنوح للسلم بمجرد وجود بادرة.
عندما تقارن هذا الإصرار المتعطش للحرب ورفض كل ميل نحو السلم، مع الأمر الإلهي الواضح للمسلمين: {وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا}...
هنا بالضبط... تدرك حجم الهوة الأخلاقية السحيقة بين حضارة ترى السلام واجبًا يُسعى إليه حتى مع العدو، وحضارات أخرى ترى الحرب غاية تُبرر كل الوسائل، حتى لو كان الثمن هو دماء عشرات الآلاف من الأبرياء.