القسم الخامس: ما بعد الدليل
في الفصول السابقة، سلكنا طريق العقل والمنطق. بنَينا البرهان خطوة بخطوة. فنّدنا الادّعاءات. واجهنا الاعتراضات. ووصلنا إلى نتيجة واضحة: الكون له خالق — عظيم، قادر، مريد، حكيم.
والآن: أطفئ هاتفك لدقيقة. أغمض عينيك. ثم افتحهما ببطء وانظر. فقط انظر.
انظر إلى يدك. خمسة أصابع. كلّ إصبع فيه ثلاث سلاميات — إلّا الإبهام، فيه اثنتان — لأنّه يحتاج إلى مرونة أكبر ليقابل بقيّة الأصابع. بصمة كلّ إصبع فريدة — لا يشاركك فيها أحدٌ من بين ثمانية مليارات إنسان على وجه الأرض. تحت الجلد، شبكة من الأوعية الدموية تحمل الأكسجين إلى كلّ خلية. وأعصاب تنقل الإحساس في أجزاء من الألف من الثانية. كلّ هذا... في يدك فقط.
الآن ارفع رأسك وانظر إلى السماء.
تلك النجمة التي تراها — قد تكون شمسًا أكبر من شمسنا بمئة مرّة، وتبعد عنك مئات السنين الضوئية. السنة الضوئية الواحدة تساوي حوالي عشرة تريليونات كيلومتر. ومع ذلك — ضوؤها وصل إلى عينيك. قطع كلّ تلك المسافة ليصل إلى شبكيّتك، فتحوّله أعصابك إلى إشارات كهربائية، فيترجمها دماغك إلى صورة. وكلّ هذا يحدث في لحظة.
ثم اقترب أكثر. انظر إلى ورقة شجر.
خلية نباتية واحدة تقوم بعملية التمثيل الضوئي — تأخذ ضوء الشمس وثاني أكسيد الكربون والماء وتحوّلها إلى سكّر وأكسجين. العلماء يحاولون تقليد هذه العملية منذ عقود بأحدث التقنيات — ولم ينجحوا في مضاهاة كفاءة ورقة شجر واحدة.
ثم انزل أعمق. انظر داخل جسدك.
في كلّ خلية من خلاياك — وعددها حوالي 37 تريليون خلية — يوجد جزيء الـ DNA. خيطٌ رفيع لو فردته لبلغ طوله مترَين. لكنّه ملفوف بإحكام داخل نواة أصغر من رأس الدبّوس. وهذا الخيط يحمل ثلاثة مليارات حرف من الشفرة الوراثية — تعليمات بناء جسدك كلّه. من لون عينيك إلى طريقة عمل قلبك إلى شكل أذنك.
ثلاثة مليارات حرف. في كلّ خلية. مرتّبة بدقّة. بلا خطأ واحد يذكر.
هل كُتبت هذه الشفرة بالصدفة؟
لن أجادلك. لن أقدّم لك حسابات احتمالية. سأترك لك فقط هذه الأسئلة وأنت تتأمّل:
من جعل الماء يتمدّد حين يتجمّد — عكس كلّ المواد تقريبًا — حتى يطفو الجليد على سطح البحيرات فلا تموت الأسماك تحته؟
من جعل الأرض تميل بزاوية 23.5 درجة بالضبط — فتتعاقب الفصول الأربعة وتتنوّع الحياة؟
من جعل القمر على المسافة المثالية من الأرض — فيضبط المدّ والجزر ويثبّت محور دوران الأرض؟
من جعل طبقة الأوزون بالسُّمك المناسب تمامًا لتحمينا من الأشعّة فوق البنفسجية القاتلة — لا أكثر فتحجب الضوء الضروري، ولا أقلّ فتقتلنا؟
من جعل قلبك ينبض مئة ألف مرّة في اليوم — دون أن تطلب منه ذلك، ودون أن تتذكّره — منذ أن كنتَ جنينًا في بطن أمّك؟
"ما خلقتَ هذا باطلًا"... هذه ليست نتيجة وعظ. هذه نتيجة تفكّر. الآية لم تقل: "الذين لا يسألون." بل قالت: "الذين يتفكّرون." تأمّلوا — وحين تأمّلوا بصدق — وصلوا من تلقاء أنفسهم إلى اليقين: هذا ليس باطلًا. هذا ليس عبثًا. وراء كلّ هذا... خالق عظيم.
العالم الفيزيائي فريد هويل — الذي كان ملحدًا — درس التفاعلات النووية التي تُنتج الكربون داخل النجوم. ووجد أنّها تحتاج إلى مستوى طاقة محدّد بدقّة مذهلة. لو اختلف قليلًا لما وُجد كربون — ولما وُجدت حياة. هذا الاكتشاف هزّه حتى قال ما معناه إنّ تفسير هذه الحقائق بالعقل المجرّد يوحي بقوّة أنّ هناك عقلًا فائقًا تلاعب بالفيزياء.
من ملحد. بالفيزياء وحدها. وصل إلى الخالق.