لماذا كتبتُ هذا الكتاب؟
في ليلةٍ شتوية باردة، كنتُ أجلس بجوار نافذةٍ مفتوحة على سماءٍ صافية. كان الهواء يحمل رائحة المطر الذي هطل قبل ساعة، وكانت النجوم تتلألأ كأنّها لم تكن هناك من قبل. كنتُ أتصفح موقع فيسبوك فقرأت منشورًا يتحدّث عن اكتشافاتٍ حديثة في فيزياء الكون، وفجأةً توقّفتُ عند جملة:
"أثبت العلماء أنّ المادة يمكن أن تنشأ من العدم."
قرأتها مرّة. ومرّتَين. وثلاثًا.
ثم سألتُ نفسي: هل هذا صحيح فعلًا؟ هل نظر أحدُهم في العدم — ذلك اللاشيء المطلق — ورآه يُنبِت مادةً وكواكبَ ونجومًا؟ هل أصبح الكون بلا حاجة إلى خالق؟
لم أكن أبحث عن طمأنينة مريحة. كنتُ أبحث عن الحقيقة، مهما كانت.
فبدأتُ رحلة.
رحلة في الفيزياء والمنطق. رحلة في أعماق السؤال الأقدم في تاريخ الإنسانية:
لماذا يوجد شيءٌ... بدلًا من لا شيء؟
وما وجدتُه في هذه الرحلة أذهلني.
وجدتُ أنّ كثيرًا ممّا يُقال في الفضاء الإلكتروني عن "العلم والإلحاد" مبنيٌّ على سوء فهم. وجدتُ أنّ كلماتٍ كبيرة مثل "العدم" و"الصدفة" و"التلقائية" تُستخدم بطريقة توحي بالعلم، لكنها في الحقيقة تُخفي فراغًا منطقيًّا هائلًا. وجدتُ أنّ العلم — بكلّ عظمته وإنجازاته — لا يقول ما يدّعيه بعض المتحدّثين باسمه. بل وجدتُ أنّ العلم نفسه، في أدقّ اكتشافاته وأعمق نظرياته، يقف شاهدًا صامتًا على حقيقة واحدة:
هذا الكون لم يأتِ من لا شيء.
هذا الكون له خالق.
وهذا الخالق... عظيم.
هذا الكتاب الذي بين يدَيك ليس كتاب وعظٍ أو خُطَب. وليس كتابًا يفترض أنّك مؤمنٌ ويُحاول تثبيتك. بل هو كتابٌ يفترض أنّك إنسانٌ يفكّر، وأنّك تستحقّ إجاباتٍ حقيقية لا شعاراتٍ جوفاء.
لن أطلب منك في مقدمة هذا الكتاب أن تؤمن مباشرة.
سأطلب منك فقط أن تفكّر.
سأعرض عليك الأدلة، وأترك عقلَك يفعل ما خُلِق ليفعله.
سنسير معًا — أنا وأنت — في رحلة هادئة لكن حاسمة. سنبدأ من السؤال، ونمرّ بالشكوك الكبرى، وسنفحص الادّعاءات فحصًا دقيقًا. لن أقفز إلى الجواب قبل أوانه، ولن أخفي عنك اعتراضًا من الاعتراضات. بل سأضع كلّ اعتراض على الطاولة، وسنتأمّله معًا في ضوء العقل والمنطق.
وفي النهاية... سيكون القرار قرارك.
لكنّني على ثقة بشيءٍ واحد:
إذا كنتَ صادقًا في البحث... فالحقيقة لن تخذلك.
كيف تقرأ هذا الكتاب؟
هذا الكتاب مصمَّمٌ ليُقرأ بالترتيب. كلّ فصلٍ يبني على ما قبله، وكلّ فكرةٍ تمهّد لما بعدها. إذا قفزتَ إلى الفصل العاشر قبل أن تمرّ بالخامس، فقد تفقد خيطًا مهمًّا من خيوط الرحلة.
ستجد في الكتاب حواراتٍ قصيرة بين شخصيتين:
"الباحث": إنسان يسأل ويشكّ ويبحث عن الحقيقة بصدق.
"المشكّك": صوتٌ يمثّل أقوى الاعتراضات الإلحادية بأمانة ودون تهوين.
هذه الحوارات ليست لتسخيف أحد. بل هي محاولةٌ صادقة لوضع أقوى الأفكار في مواجهة بعضها، ثم ترك المنطق يحسم.
ستجد أيضًا آياتٍ من القرآن الكريم في ثنايا الفصول. لم أضعها لأقول لك: "آمِنْ لأنّ القرآن يقول كذا." بل وضعتُها لأنّها — في كثير من الأحيان — تختصر في كلماتٍ قليلة ما يحتاج الفيلسوف إلى صفحاتٍ ليقوله. وضعتُها لتتأمّلها بعد أن يكون عقلُك قد وصل بنفسه إلى المعنى ذاته.
وعدٌ أخير
أعِدُك أنّني لن أستخفّ بعقلك. لن أقدّم لك إجاباتٍ مبتورة، ولن أتجاهل الأسئلة الصعبة. كلّ سؤال ستفكّر فيه أثناء القراءة — ستجد أنّني فكّرتُ فيه قبلك، وحاولتُ أن أعالجه بأمانة.
فهل أنت مستعدّ؟
إذن... لنبدأ.
لكن قبل أن نبدأ، دعني أصارحك بالنتيجة التي وصلتُ إليها بعد هذه الرحلة كلّها — لعلّها تشجّعك على أن تكمل:
هناك إله عظيم.
والآن... تعالَ لنرَ معًا كيف وصلتُ إلى هذا اليقين.