لنبدأ بسؤال بسيط:
إذا قلتُ لك: "هذه الغرفة فارغة"، ماذا تفهم؟
تفهم أنّه لا أثاث فيها، ولا أشخاص، ولا أغراض. لكنّك لا تفهم أنّ الغرفة نفسها غير موجودة! الغرفة موجودة — بجدرانها وأرضيّتها وسقفها وهوائها — لكنّها "فارغة" من الأشياء التي اعتدنا رؤيتها فيها.
هل تقول إنّ هذه الغرفة "عدم"؟ بالطبع لا. هي فارغة، لكنّها ليست "لا شيء."
الآن انقل هذا التشبيه إلى الفيزياء.
الفراغ الكمومي يشبه تلك الغرفة الفارغة. هو ليس "لا شيء مطلقًا." بل هو حالة فيزيائية لها صفات محدّدة:
له طاقة. نعم، الفراغ الكمومي يحتوي على ما يسمّيه الفيزيائيون "طاقة نقطة الصفر". ليس فارغًا من الطاقة.
تحكمه قوانين. الجسيمات التي تظهر وتختفي فيه لا تفعل ذلك عشوائيًّا، بل وفق قوانين ميكانيكا الكمّ.
يقع في زمان ومكان. الفراغ الكمومي موجود ضمن إطار الزمان والمكان، وليس خارجهما.
له بنية رياضية يصفها العلماء بمعادلات دقيقة.
إذن: الفراغ الكمومي "شيء." شيء له خصائص وقوانين وطاقة. ليس "لا شيء."
أمّا العدم — بالمعنى الفلسفي الحقيقي — فهو شيء مختلف تمامًا.
العدم هو نفي الوجود نفيًا مطلقًا.
لا مادة. لا طاقة. لا زمان. لا مكان. لا قوانين. لا احتمالات. لا شيء على الإطلاق.
العدم ليس مكانًا مظلمًا فارغًا. ليس فضاءً أسود. ليس ظلامًا. لأنّ الظلام نفسه "شيء" — هو غياب الضوء في مكانٍ موجود. العدم هو غياب المكان نفسه. غياب كلّ شيء. حتى غياب الغياب.
العدم لا يُتخيَّل. لأنّ كلّ صورة تتخيّلها هي "شيء." إذا تخيّلت سوادًا — فالسواد شيء. إذا تخيّلت فراغًا — فالفراغ شيء. العدم هو ما لا يمكنك أن تتخيّله، لأنّ عقلك لا يعمل إلّا بالأشياء.
والآن لنضع الصورتَين جنبًا إلى جنب:
الفراغ الكمومي — الذي يسمّيه بعضهم "العدم":
فيه طاقة موجودة، تُسمّى طاقة نقطة الصفر. تحكمه قوانين ميكانيكا الكمّ. يقع في إطار زماني ومكاني. يمكن وصفه بمعادلات رياضية. وخلاصة الحكم عليه: إنّه شيء من الأشياء.
العدم الحقيقي — بالمعنى الفلسفي الدقيق:
لا طاقة فيه ولا وجود لها. لا قوانين تحكمه. لا زمان ولا مكان. لا شيء يُوصف بمعادلة. وخلاصة الحكم عليه: إنّه لا شيء مطلقًا.
هل ترى الفرق الآن؟
عندما يقول لك أحدهم: "الجسيمات تظهر من العدم!" — فهو في الحقيقة يقول: "الجسيمات تظهر من فراغ فيزيائي تحكمه قوانين." وهذا شيء مختلف تمامًا.
الأوّل يعني أنّ اللاشيء أنتج شيئًا — وهو ادّعاء مستحيل منطقيًّا.
الثاني يعني أنّ شيئًا أنتج شيئًا آخر — وهذا طبيعي تمامًا، لكنّه لا يُلغي السؤال: من أوجد ذلك الشيء الأوّل؟
دعني أقرّب لك الفكرة أكثر بحوارٍ قصير:
المشكّك: العلم أثبت أنّ الجسيمات تظهر من العدم. إذن الكون يمكن أن يظهر من العدم.
الباحث: أفهم ما تقوله. لكن دعني أسألك: هذا "العدم" الذي تتحدّث عنه — هل فيه قوانين فيزيائية؟
المشكّك: نعم، قوانين ميكانيكا الكمّ.
الباحث: وهل فيه طاقة؟
المشكّك: نعم، طاقة نقطة الصفر.
الباحث: وهل يقع في إطار زماني ومكاني؟
المشكّك: ... نعم.
الباحث: إذن هو ليس "عدمًا." هو "شيء" له صفات. أنت تقول: "شيء أنتج شيئًا." وهذا لا خلاف عليه. لكنّ السؤال يبقى: من أين جاء هذا الشيء الأوّل — الفراغ وقوانينه وطاقته؟
المشكّك: ...
الباحث: هل ترى؟ لم نتقدّم خطوة واحدة. السؤال ما زال قائمًا.
وهذا بالضبط ما قصده القرآن الكريم حين وضع الإنسان أمام هذا السؤال الحاسم بكلّ وضوح:
تأمّل دقّة السؤال: "أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ" — أي هل وُجِدوا من عدم، من لا شيء، بلا سبب وبلا مُوجِد؟ "أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ" — أم هل خلقوا أنفسهم بأنفسهم؟
كلا الاحتمالَين مستحيل. ما تبقّى هو الاحتمال الثالث الذي لم يُذكر في الآية لأنّه واضح: هناك خالق.
"بل لا يوقنون"... المشكلة ليست في غياب الدليل. المشكلة في غياب اليقين عند من لا يريد أن يرى.