في العقدَين الأخيرَين، حدث شيءٌ لافت.
انتشرت في العالم — وخاصّة عبر الإنترنت ووسائل التواصل — موجةٌ فكرية تقول بصوتٍ عالٍ وواثق:
"لا إله. الكون لا يحتاج إلى خالق. العلم فسّر كلّ شيء."
هذه الموجة لم تأتِ من فراغ. فقد ظهر في مطلع الألفية الجديدة كتّابٌ ومفكّرون غربيون حملوا هذه الراية بقوّة. كتبوا كتبًا بِيعت بالملايين، وألقوا محاضراتٍ شاهدها عشرات الملايين، وصنعوا أفلامًا وثائقية مصقولة الإنتاج. كان خطابهم ذكيًّا وجذّابًا، يمزج بين الإنجازات العلمية الحقيقية وبين استنتاجاتٍ فلسفية قُدِّمت كأنّها حقائق علمية.
وكانت رسالتهم الجوهرية واحدة:
العلم أثبت أنّ الكون لا يحتاج إلى إله.
هذه الرسالة وصلت إلى شبابنا العربي أيضًا. وصلت عبر مقاطع مترجمة ومقالات مبسّطة ونقاشات على منصّات التواصل. ولأنّ كثيرًا من شبابنا لم يجد من يجيبه بلغةٍ يفهمها — بلغة العقل والمنطق لا بلغة التخويف والزجر — فقد وجد بعضهم نفسه أمام هذه الأفكار بلا درعٍ فكري.
لكن دعنا نتوقّف لحظة ونسأل سؤالًا بسيطًا جدًّا:
هل هذا الادّعاء صحيح؟ هل أثبت العلم فعلًا أنّ الكون لا يحتاج إلى خالق؟
لنكن منصفين أولًا. لا يمكن لعاقلٍ أن ينكر إنجازات العلم الحديث. العلم فسّر لنا كيف تدور الكواكب، وكيف ينتقل الضوء، وكيف تتكاثر الخلايا، وكيف تعمل الجاذبية. العلم أعطانا الطبّ والتكنولوجيا والفضاء. ونحن ممتنّون لكلّ ذلك، ومحترمون له تمام الاحترام.
لكنّ هناك فرقًا جوهريًّا بين جملتَين:
الجملة الأولى: "العلم فسّر كيف تعمل أشياء كثيرة في الكون."
الجملة الثانية: "العلم أثبت أنّ الكون لا يحتاج إلى خالق."
الجملة الأولى صحيحة. الجملة الثانية... قفزة هائلة لا يسندها دليل.
لأنّ العلم التجريبي — بطبيعته وأدواته — يدرس "كيف" تعمل الأشياء، لا "لماذا" وُجدت أصلًا. يستطيع العلم أن يخبرك كيف تتحرّك الإلكترونات حول النواة، لكنّه لا يستطيع أن يخبرك لماذا يوجد إلكترون أو نواة من الأساس.
تخيّل أنّك وجدتَ ساعةً دقيقة الصنع في صحراء خالية. يستطيع العلم أن يفكّكها ويشرح لك كيف تعمل تُروسها ونوابضها. لكن هل يعني ذلك أنّ الساعة لا صانع لها؟ هل فَهْمُ آلية عملها يُلغي السؤال: مَن صنعها؟
بالطبع لا.
وكذلك الكون. فَهْمُ قوانينه لا يُلغي السؤال: من أوجده؟ ومن أوجد القوانين نفسها؟
إذن ما الذي حدث بالضبط؟
ما حدث هو أنّ بعض المتحدّثين باسم العلم — وليس العلم نفسه — أخذوا إنجازات العلم الحقيقية ثم بنوا عليها استنتاجاتٍ فلسفية لا تنتمي إلى العلم. ثم غلّفوا تلك الاستنتاجات بثوب العلم لتبدو كأنّها حقائق.
هذا ما يسمّيه الفلاسفة: "التهريب الفلسفي" — أن تُدخل فكرة فلسفية من الباب الخلفي وتدّعي أنّها جاءت من المختبر.
وأخطر مثال على هذا التهريب — وهو الذي سنكشفه بالتفصيل في هذا الكتاب — هو الادّعاء القائل:
"أثبت العلماء أنّ المادة يمكن أن تنشأ من العدم."
هل هذا صحيح؟ هل راقب أحدٌ العدم وهو يُنتج شيئًا؟
الجواب سيفاجئك. لكن قبل أن نصل إليه، نحتاج أولًا أن نتّفق على شيء مهم: كيف نفكّر؟ وما الفرق بين الدليل الحقيقي والادّعاء المُلبَّس؟