كانت الساعة تشير إلى السابعة مساءً، حيث اقترب وقت صلاة العشاء وهو الوقت الذي يعم فيه الهدوء بعد الضجيج.
في غرفته الضيقة التي تشبه زنزانة اختيارية، كان الشيء الوحيد الذي ينبض بالحياة هو ضوء شاشة الحاسوب الأزرق الباهت، الذي يلقي بظلالٍ شبحية على وجهه الشاحب. كانت الغرفة تعكس فوضى أفكاره؛ كتبٌ ملقاة بإهمال على الأرض عناوينها تصرخ بالتمرد: "وهم الإله"، "جينات الأنانية"، "الصدفة الخلاقة". وبقايا أكواب قهوة سوداء باردة، تجمعت في قاعها ترسباتٌ تشبه مرارة أيامه.
جلس آدم منحنياً أمام الشاشة، وعيناه تلمعان ببريقٍ غريب، مزيج من الذكاء الحاد والرغبة الجامحة في التحطيم. كانت أصابعه تتحرك على لوحة المفاتيح بسرعة جنونية، وكأنه عازف بيانو يعزف سيمفونية الموت.
أمام عينيه، كان هناك منشور بسيط لصفحة دينية كتب فيه صاحبه: "إذا ضاقت بك الدنيا، فتذكر أن الله قريب، وأنه يسمع نجوى القلوب".
ضحك آدم ضحكة قصيرة ساخرة، هزت سكون الغرفة. "نجوى القلوب؟" همس لنفسه متهكماً. "بل هي تفاعلات كيميائية في الفص الصدغي للمخ يا صديقي المسكين. أنتم تخترعون صديقاً خيالياً لتتحدثوا معه لأنكم عاجزون عن مواجهة الحقيقة".
بدأ يكتب رده المعتاد. لم يكن يكتب بعشوائية، بل كان "قناصاً" للأفكار. يعرف كيف يختار الكلمات التي تلمس الشكوك الدفينة في نفوس القراء. كتب عن العبثية، وعن الشرور في العالم، وعن استحالة وجود "السميع" في كونٍ أصم. كان يصيغ عباراته ببراعة لغوية تجعل السم يبدو في طعم العسل.
ضغط زر "إرسال" بقوة، وكأنه يطلق رصاصة الرحمة.
لم تمر سوى ثوانٍ حتى بدأت الإشعارات تنهال عليه كالمطر. "أحسنت يا أستاذ آدم"، "لقد ألجمتهم"، "عقل مستنير وسط الظلام". شعر آدم بنشوة تسري في عروقه. إنه الدوبامين، مخدره الوحيد. شعر للحظات أنه إله صغير في مملكته الرقمية، يحيي ويميت الأفكار بضغطة زر. لقد انتصر مجدداً.. لقد هزم "الخرافة".
لكن، كما يحدث في كل ليلة.. تلاشت النشوة بسرعة مرعبة.
توقف سيل التعليقات للحظة، وعاد الصمت ليطبق على الغرفة. نظر آدم إلى انعكاس وجهه على الشاشة السوداء في لحظة توقف التحميل. رأى وجهاً متعباً، وعينين غائرتين يحيطهما سواد السهر كل ليلة. سأل نفسه السؤال الذي يهرب منه دائماً: "ثم ماذا؟". لقد أفحمتهم، وسخرت منهم، وأثبت أنهم واهمون.. فهل أصبحت أنت سعيداً الآن؟ هل ملأت هذه الانتصارات الثقب الأسود الذي يتسع في صدرك يوماً بعد يوم؟
أزاح الكرسي للخلف بضجر، ونهض ليفتح النافذة قليلاً. لفحته نسمة هواء شتوية باردة، تحمل رائحة المطر والتراب. كان الشارع بالأسفل غارقاً في الهدوء، إلا من صوت الرياح التي بدأت تعوي معلنة عن ليلة عاصفة. وفي نهاية الشارع، رأى خيالاً لرجل يمشي ببطء، مستنداً على عصاه، متجهاً نحو المسجد الصغير الذي لا تنطفئ أنواره أبداً.
عرفه فوراً. إنه الشيخ "عبد الله". شعر آدم بغصة غريبة وهو يراقبه. ذلك الرجل العجوز الذي يملك يقيناً يحسده عليه الملوك. كيف يمشي بهذا الثبات وسط العاصفة ويذهب للصلاة؟ كيف يملك تلك الابتسامة المطمئنة وهو لا يملك من حطام الدنيا شيئاً؟
"مسكين.." تمتم آدم، محاولاً استدعاء كبريائه مرة أخرى. "إنه ذاهب ليناجي الوهم". لكن صوتاً آخر، صوتاً خافتاً جداً في أعماق آدم، همس له: "أو ربما.. هو ذاهب لمكان يعرفه، وأنت الذي لا تعرف؟".
أغلق النافذة بعنف ليطرد الصوت والبرد معاً. "لا.. لن ينتهي هذا الليل هكذا". قالها آدم وهو ينظر إلى معطفه المعلق خلف الباب. "لقد مللت من قتال الأشباح الإلكترونية. أريد مواجهة حقيقية. أريد أن أرى بريق اليقين في عين ذلك الشيخ ينطفئ أمام منطقي الساحق".
مدّ يده نحو المعطف، لكن إرهاق الليالي السابقة ثقّل جفنيه فجأة. أمسك بالمعطف وجلس على كرسيه ليرتاح قليلاً. أسند رأسه إلى ذراعه على المكتب أمام الشاشة المطفأة. لم تمر سوى لحظات حتى سرقته غفوة لم يخطط لها.
وهناك في تلك المنطقة الضبابية بين اليقظة والعدم، كان الكابوس ينتظره.
وجد نفسه واقفاً في فراغٍ أسود لا نهاية له. لا أرض تحته، ولا سماء فوقه. فقط عتمة مطلقة، وصمتٌ يصم الآذان. ثم سمع صوتاً.. صوتاً يعرفه جيداً. صوت والده ينادي: "آدم..".
التفت مذعوراً، يبحث عن مصدر الصوت. "أبي؟ أبي، أين أنت؟". جاءه الصوت مرة أخرى: "آدم.. أنا هنا..". كان الصوت يأتي من كل مكان ومن لا مكان. ركض آدم في الظلام، يبحث، يصرخ، يتعثر في العدم. ثم رآه. كان والده واقفاً على بُعد خطوات، ظهره له، يرتدي كفنه الأبيض.
صرخ آدم: "أبي!". ومدّ يده ليمسك بكتفه، لكن المسافة بينهما بدت تتمدد كلما اقترب. خطوة للأمام، وعشر خطوات تفصله. ازدادت سرعته، وازداد البُعد. "لماذا لا أصل إليك؟".
التفت الأب ببطء. كان وجهه هادئاً، لكن عينيه ملؤهما حزنٌ عميق. قال بصوتٍ يشبه الهمس: "لأنك اخترت طريقاً لا يوصل إليّ يا بني". سأله آدم بصوت مرتجف: "ماذا تقصد؟ أي طريق؟". أجابه الأب وهو يبدأ بالتلاشي: "الطريق الذي تمشيه الآن.. ينتهي إلى لا شيء. وأنا.. لستُ في اللاشيء".
بدأ الأب يتلاشى، كأنه ضبابٌ تبدده الرياح. صرخ آدم بكل قوته: "لا! انتظر! لا تتركني!". امتدت يده في الفراغ، فلم تمسك إلا الهواء البارد.
ثم استيقظ.
وجد نفسه يلهث، وقلبه يدق بعنف، وعرق بارد يغطي جبينه. نظر حوله. الغرفة. الشاشة. الكتب. كل شيء في مكانه. لكن شيئاً ما تغير في داخله.
سمع طرقاً خفيفاً على الباب، ثم صوت أمه. أمه التي صار يعاملها كغريبة في بيتها، ينهرها كلما مدت له يد العون، ويغلق بابه في وجه دموعها.
"آدم؟ يا ولدي، هل أنت بخير؟"
كانت والدته واقفة عند الباب الموارب تخشى من الدخول كالعادة حتى لا يحرجها مثل كل مرة، وقفت تنتظر وعلى وجهها ذلك القلق الذي لم يفارقها منذ رحيل زوجها. "سمعتك تصرخ في نومك... تنادي".
شعر آدم بضيق في صدره. لم يكن ضيق الكابوس، بل ضيق الخجل الممزوج بالكبرياء. قال بجفاء، وهو يتجنب النظر في عينيها: "لا شيء.. مجرد حلم سخيف. ارجعي لنومك".
ترددت الأم لحظة عند الباب، وكأنها تريد أن تقول شيئاً آخر. لكنها ابتلعت كلماتها كما تعودت منذ سنوات، وتمتمت بصوت خافت: "حسناً يا بني.. سامحك الله". ثم انسحبت بخطواتها المتعبة، وأغلقت الباب خلفها برفق.
ظل آدم جالساً دقائق طويلة، يحدق في الفراغ. صوت والده يتردد في رأسه، وصورة أمه المنكسرة عند الباب تنضم إليه. هز رأسه بقوة: "مجرد كابوس.. مجرد انعكاس لضغط نفسي.
لكنه لم يستطع أن ينسى نظرة والده الحزينة. ولم يستطع أن يطرد السؤال الذي بدأ يقرع باب عقله بإلحاح: ماذا لو كان والدي الآن في مكانٍ ما.. ينتظرني؟
قال لنفسه مجددًا: يبدو أن العقل الباطن يلعب ألعابه. نهض من كرسيه بعنف، كمن يهرب من فكرة تلاحقه. "لا.. سأخرج. سأمشي. سأفعل أي شيء غير الجلوس هنا."
ارتدى معطفه الطويل، ونظر في المرآة نظرة أخيرة، مصلحاً شعره الأشعث. لم يكن يعلم وهو يضع هاتفه في جيبه، أنه يترك خلفه عالمه الافتراضي الآمن، ليخطو نحو المجهول.
وفي تلك اللحظة بالذات، سمع صوت الأذان يتسلل من المسجد القريب. شعر بقوة غريبة تدفعه. ليست قوة إيمان، بل قوة غضب. غضب من ذلك الكابوس، ومن ذلك الشيخ الذي يمشي بيقين نحو المسجد، ومن كل هذا العالم الذي يؤمن بما لا يراه.
"سأذهب إليه.. سأثبت لنفسي أنه واهم. سأجعل يقينه يتزعزع أمام عيني، وعندها سأعرف أن كابوسي كان مجرد هراء."
فتح باب الشقة، وخرج. كانت الليلة مظلمة، لكن الظلام الحقيقي لم يكن في الشارع.. بل كان هناك، يسير معه في صدره.