الرئيسية ليلة اليقين الفهرس الفصل 3
الفصل 3

الفصل الثالث: في حضرة السكينة

بمجرد أن انغلق الباب الثقيل خلفه، انقطع صوت عواء الرياح فجأة، وكأن سكيناً خفيًا بترت حبل الضوضاء.

وجد آدم نفسه يغرق في سحابة كثيفة من الدفء. لم يكن دفئاً نابعاً من أجهزة التدفئة فحسب، بل كان دفئاً له رائحة.. رائحة المسك العتيق المختلط بعبق السجاد، تلك الرائحة التي أيقظت في ذاكرته "آدم الطفل" الذي كان يركض هنا قبل أن تلوثه الظنون.

كان المكان يضج بهدوءٍ مهيب، وبأنفاس عشرات الأجساد المتراصة التي لا يبدو أنها تبحث عن مأوى من المطر، بل عن أمانٍ لا تمنحه السقوف.

وقف عند العتبة للحظات، يمسح قطرات المطر عن وجهه، وعيناه تجولان في المكان ببرود القاضي الذي دخل قاعة المحكمة ليدين المتهمين. كان المسجد مكتظاً عن آخره. عشرات الظهور المنحنية، والرؤوس المطأطأة، يجلسون في صفوف منتظمة وكأنهم بنيان مرصوص.

كانت هذه هي المرة الأولى التي يطأ فيها أرض المسجد منذ ثلاث سنوات كاملة؛ ثلاث سنوات قضاها في بناء جدران من العزلة والعدمية، والآن يشعر وكأنه "جاسوس" في أرضٍ مقدسة.

شعر آدم بالغربة، وبثقل معطفه المبتل الذي بدا وكأنه يحمل أوزار السنين التي قضاها بعيداً. نظر إلى وجوههم المضيئة بالسكينة، فاشتدت قبضته على مفاتيحه في جيبه، محاولاً استعادة درعه الفكري أمام هذا الفيض من السلام الذي بدأ يهدد حصونه.

كاد هذا المشهد وجلال الحنين أن يكسرا قشرة قلبه المتصلبة، ويجذباه للارتماء في أحضان تلك السكينة كطفلٍ غائب، لكنَّ شيطانه انتفض في عروقه، هامساً بكبرياءٍ مسموم ليوقظ فيه نزعة التمرد ويمنعه من السقوط في فخ العاطفة.

استجمع شتات نفسه، ونفض عن نفسه قشعريرة الرهبة، مستحضراً كل ترسانته من النظريات التي تدعي تفسير هلع الإنسان من المجهول.

همس آدم في نفسه، وابتسامة ساخرة تلوح على زاوية فمه. "كيف يرضى الإنسان أن يلغي عقله ويذوب في الجماعة هكذا؟ انظر إليهم، يهربون من برد الواقع إلى دفاية الأوهام".

خلع حذاءه ببطء شديد، ووضعه جانباً دون اهتمام، ثم تقدم بخطوات ثابتة، لا تشبه خطوات الخاشعين، بل خطوات المستكشف الذي يسير في أرض بدائية. اختار زاوية في الصفوف الخلفية، حيث يستند ظهره إلى الجدار، ليكون كاشفاً للمشهد كله، ومستعداً للانقضاض.

كانت الإضاءة خافتة، تسلط نورها الذهبي الهادئ على نقطة الارتكاز في مقدمة المسجد: الكرسي الخشبي المرتفع قليلاً. وهناك، كان يجلس الشيخ "عبد الله".

رآه آدم الآن عن قرب. كان وجه الشيخ يبدو وكأنه منحوت من ضوء. لحيته البيضاء الكثة تنسدل بوقار على صدره، وعيناه.. تلك العينان اللتان طالما أزعجتا آدم بنظرتهما المطمئنة، كانتا تلمعان الآن ببريق يجمع بين هيبة العلم ورقة الأبوة.

كان صوت الشيخ ينساب في أرجاء المسجد هادئاً، رخيماً، لا صراخ فيه ولا وعيد، بل كان أشبه بنهرٍ جارٍ يروي أرضاً عطشى. كان يتحدث عن "وعد الله الحق". أرهف آدم سمعه. ها هو يبدأ.. ها هو يبيع بضاعته.

قال الشيخ بصوت متهدج: "يا أحباب.. إن الدنيا ليست دار مقر، بل هي قنطرة عبور. نحن هنا غرباء، والمسافر لا يلقي عصا الترحال إلا إذا وصل إلى وطنه. والآخرة هي الوطن الحقيقي للروح والجسد. هناك، حيث ينصب الميزان، وتتطاير الصحف، وحيث لا تظلم نفسٌ شيئاً".

بدأ صوت نشيج خافت يرتفع من بعض الزوايا. رأى آدم رجلاً ضخماً بجانبه، يبدو كعامل بناء خشن اليدين، يغطي وجهه ويبكي كطفل صغير. شعر آدم بالغثيان. "تلاعب عاطفي رخيص.." فكر بحنق. "يخيفونهم بالموت، ثم يبيعون لهم تذكرة النجاة الوهمية. إنهم يبكون خوفاً من إله لم يره أحد. يبكون من الخوف لا من الحب".

استمر الشيخ، وكأنه يقرأ أفكار آدم دون أن يراه: "ليس الخوف هو ما يبكينا، بل الشوق.. والخجل. الخجل من مقابلة الكريم ونحن محملون بالتقصير. تخيل لحظة الوقوف بين يديه، حين يسألك عن عمرك، وعن شبابك، وعن قلبك.. ماذا ستقول؟".

هنا، شعر آدم بوخزة حادة في صدره. "شبابك؟". تذكر سنواته الثلاث الماضية، الضائعة في الجدال والعدمية والسهر. هز رأسه بقوة لطرد الفكرة. "لا.. لن تجرني إلى ملعبك العاطفي"، همس في سره وهو يشد قبضته حتى ابيضت مفاصل أصابعه. "أنا هنا للمنطق.. للحقيقة".

بدأ جسده يفرز الأدرينالين. دقات قلبه تتسارع استعداداً للمعركة. كان يراقب الشيخ وهو يصمت لحظة ليلتقط أنفاسه، ويشرب رشفة من الماء. عم الصمت المكان. صمتٌ مهيب، ثقيل، مليء بالترقب. كان الجميع ينتظرون الكلمة التالية من الشيخ. لكن آدم قرر أن الكلمة التالية ستكون له هو.ئ

حانت اللحظة. هذه هي الفرصة التي انتظرها. سيضرب ضربته الآن، في ذروة خشوعهم، ليحدث أكبر صدع ممكن في جدار يقينهم. تنفّس آدم بعمق، جمع كل غضبه، وشكوكه، وألم فقدان أبيه، وكبرياء عقله، ووضعهم في حنجرته.

وفي تلك اللحظة من السكون التام، انطلق صوته.