الرئيسية ليلة اليقين الفهرس الفصل 8
الفصل 8

الفصل الثامن: صباحُ ترميم الروح

استيقظ آدم من نومه بعد ساعات ولم تكن أشعة الشمس هي مَن أيقظه هذه المرة، بل كان صوتاً خفياً، نداءً ينساب من مئذنة المسجد القريب ليشق سكون الفجر البارد.

فتح آدم عينيه ببطء، وللحظة، شعر بالارتباك المعتاد: أين أنا؟ وما هذا الهدوء الذي يلف المكان؟ تحسس صدره، فوجد المصحف الصغير لا يزال مستقراً هناك، كأنه كان يحرس أحلامه طوال الليل.

تدفقت ذكريات الليلة الماضية إلى عقله كشلال دافئ. لم يكن حلماً؛ ذلك البكاء المرير، طعم الشاي في غرفة الشيخ، والسكينة العجيبة التي تسللت لقلبه حتى غلبه النوم وهو يقرأ.

تحسس صدره بيده.. ذلك "الثقب الأسود" الذي كان يأكل روحه كل صباح، ويشعره بأن الحياة عبءٌ ثقيل.. لقد انكمش. لا تزال هناك ندبة، نعم، فالجروح العميقة لا تختفي في ليلة واحدة، لكن النزيف توقف.

قام من فراشه بخفة لم يعهدها، وتوجه إلى النافذة. كان العالم لا يزال غارقاً في لون أزرق باهت قبل شروق الشمس. استنشق هواء الفجر النقي، وشعر لأول مرة منذ سنوات أن هذا الهواء ليس مجرد "أكسجين"، بل هو "روح" تملأ رئتيه باليقين.

همس لنفسه وهو يتهيأ للوضوء: "لقد أدركتُ الصبح.. وأدركني النور".

توجه إلى الحمام، وفتح صنبور الماء. كان ملمس الماء البارد على جلده يبدو وكأنه يغسل خطايا السنين لا غبار ليلة واحدة. توضأ بعناية، متذكراً حركات الوضوء التي هجرها طويلاً، وكأن أعضاءه كانت تشتاق لهذا البلل الطاهر.

فرش سجادته في ركن الغرفة الذي كان يوماً ما مكاناً ليأسه. وقف، وكبر للإحرام. في الركعة الأولى، عندما قرأ "الحمد لله رب العالمين"، شعر بغصة في حلقه؛ لم تكن تلك الكلمات مجرد آيات، بل كانت اعترافاً بالجميل لربٍ لم يتركه رغم أنه أعرض عنه.

وعندما سجد.. هبط بكل ثقله، وبكل انكساره، وبكل كبريائه القديم على الأرض. هناك، وهو يضع جبهته على السجاد، شعر بأن هذا هو المكان الوحيد الذي يمكن للمرء أن يرفع فيه رأسه بكرامة. همس في سجوده: "سبحان ربي الأعلى"، وكررها مراراً، كأنه يغرسها في قلبه لتطرد منها كل أصنام العقل الزائفة.

أنهى صلاته وسلم، وبقي جالساً على السجادة. لم يسرع بالنهوض. كان الفجر قد بدأ يتنفس، وبدأ الضوء يتسلل للغرفة ببطء. كان آدم يشعر بشيء لم يذقه من قبل: "الخفة". كأن الجاذبية لم تعد تؤثر فيه، وكأن روحه قد تحررت من قيد الطين.

نظر حوله إلى غرفته بعينين جديدتين، وكأنه يراها لأول مرة. رأى الفوضى التي كان يعيش وسطها؛ ملابس متناثرة، أعقاب سجائر، وأكوام من الكتب التي تمجد العدمية. شعر فجأة بضيق شديد من هذا المنظر. كيف كان يطيق العيش في هذا "المكب"؟ "المكان يشبه الروح.

شمّر عن ساعديه، وبدأ حملة تنظيف شعواء. جمع الملابس المتسخة، فتح النوافذ على مصراعيها ليطرد هواء الغرفة المكتوم ورائحة السجائر العتيقة. سمح للشمس والهواء البارد النقي باحتلال المكان. ثم جاء دور المكتبة. وقف أمام رف الكتب التي كان يفاخر بها. أمسك بكتاب عن الإلحاد قلبه بين يديه. كان هذا الكتاب "إنجيله" السابق. تذكر كم ليلة قضاها يحفظ اقتباساته ليحرج بها المؤمنين. الآن، بدت له الكلمات جوفاء، باردة، كمعادلة رياضية خالية من الروح تحاول تفسير لوحة فنية بديعة. لم يحرقها، ولم يمزقها. بل أحضر صندوقاً كرتونياً كبيراً، ووضعها فيه واحداً تلو الآخر. "انتهى دوركم.." همس وهو يغلق الصندوق بشريط لاصق. "لقد أجبتم عن (كيف) يعمل الكون، لكنكم فشلتم فشلاً ذريعاً في إخباري (لماذا) أنا هنا". دفع الصندوق تحت السرير، ووضع مكانه المصحف وكتاب الدكتور مصطفى محمود.

بعد أن انتهى من صلاته، خرج من غرفته متجهاً للمطبخ بخطىً هادئة، عكس خطواته الثقيلة المتمردة التي اعتادتها جدران البيت. كانت والدته تقف هناك، بظهرها الذي انحنى تحت ثقل السنين والخيبة، تعد الإفطار بصمتٍ حذر.

توقف آدم عند الباب يراقبها. تذكر تلك الليلة المشؤومة حين نهرها بقسوة لأنها أيقظته، بل وتذكر بمرارةٍ تحرق روحه تلك المرة التي دفعها فيها بيده لتصطدم بالجدار حين ألحت عليه بالدعاء.. كيف فعل ذلك؟ كيف كان "إلحاده" قناعاً للأنانية المفرطة، وكيف عمي قلبه عن رؤية ذبول هذه السيدة التي كانت تشتري صمته بخوفها، بينما تشتري له الهداية بدموعها في جوف الليل؟

سمعت الأم خطواته، فارتجفت كتفاها بتلك "النفضة" المعتادة، والتفتت بوجهٍ يكسوه ترقبٌ خائف، متوقعةً أن ينفجر فيها بسبب رائحة الطعام أو صوت الأواني. لكنها تسمرت مكانها، وسقطت الملعقة من يدها لتحدث رنيناً لم تسمعه.

كان آدم يقف أمامها، ليس ذلك "المسخ" الغاضب الذي هجر البيت وهو فيه، بل "آدم" ابنها الذي غاب عنها سنوات. كان وجهه مشرقاً بوضوء الفجر، وعيناه اللتان كانتا تشتعلان تمرداً، تفيضان الآن بانكسارٍ نبيل.

"صباح الخير يا أمي.." قالها بصوتٍ هادئ رخيم، غسلت نبرته غبار القطيعة.

اقترب منها، وبحركةٍ سريعة انحنى ليمسك يدها الخشنة التي أرهقتها خدمته رغم جفائه، فقبلها بحرارة ثم قال: "آسف.." همس بها والدموع تسبق كلماته. "آسف على كل طعنة أصابت قلبك مني.. آسف على كل لحظة خوف عشتِها في بيتك بسببي."

توقفت أنفاس الأم لثوانٍ، ثم انفجرت في نشيجٍ مكتوم وهي ترفع رأسه بيديها المرتعشتين، وتضمه إلى صدرها كما لو كان طفلاً عاد من غابةٍ موحشة. لم تسأله "لماذا؟" أو "كيف؟"، فقلب الأم لا يحتاج لبرهانٍ حين يشم رائحة السكينة في ولدها.

انفجر آدم بالبكاء. كانت دموعه تبلل كفيها، ونحيط صدره يرتجف بكلمة واحدة يكررها بمرارة: "سامحيني.. سامحيني يا أمي".

في تلك اللحظة، لم تتحمل الأم رؤية كبرياء ابنها الذي تحطم تحت قدمي توبته؛ فانحنت عليه بجسدها الضعيف، وضمت رأسه إلى صدرها بقوة، واختلطت دموعها بدموعه في مشهدٍ ساد فيه الصمت إلا من صوت نشيجهما المتبادل. كان بكاء الأم غسلاً لسنوات الخوف والقهر، وكان بكاء آدم إعلاناً بموت ذلك "التمرد" الزائف وولادة إنسانٍ يعرف حق البر.

ثم رفعت رأسه بيديها المرتعشتين، ومسحت دموعه بطرف شالها، وهي تبتسم من بين عبراتها وتقول: "والله يا بني، ما غضبتُ منك يوماً إلا خوفاً عليك، وما سجدتُ سجدةً إلا وكان اسمك أول ما ينطق به لساني.. ارفع رأسك، فقد رضي الله عنك برضاي عنك".

"فرضي الله عنك يا بني.. رضي الله عنك وأنار قلبك كما أنرت بيتي اليوم".

جلس آدم يتناول إفطاره معها لأول مرة منذ شهورٍ طوال. كان الطعام بسيطاً؛ جبن وخبز وزيتون، لكنه استطعم فيه لذةً افتقدها في أفخم المطاعم التي كان يرتادها مع رفاق الشك. كان يراقب فرحتها وهي تضع أمامه الطعام، وأدرك حينها أن أعظم "معجزة" وجدها في رحلته، هي تلك القدرة العجيبة لقلب الأم على الغفران بمجرد كلمة "آسف".

تناول آدم إفطاره معها لأول مرة منذ شهور، يستمع لحكاياتها البسيطة باهتمام حقيقي. ورغم بساطة الطعام، لكنه استطعم فيه لذة افتقدها طويلاً.

قامت الأم بوقار من لم تغلبها السنين رغم تعبها، واتجهت نحو "صندوق" خشبي قديم في زاوية الغرفة. أخرجت منه قطعة قماش ملفوفة بعناية فائقة، وعادت لتقدمها لآدم بيدين ترتعشان. "هذه سجادة أبيك يا بني.." قالتها والدموع تملأ عينيها. "لقد طويتها يوم وفاته وبقيت فيها رائحته، وخبأتها في صدري وفي هذا الصندوق، لأن قلبي كان يهمس لي دائماً أنك ستعود يوماً لتسجد عليها". احتضن آدم السجادة، واستنشق رائحتها.. كانت رائحة والده، رائحة الطمأنينة التي افتقدها منذ سنوات، فشعر بغصة في حلقه وهو يدرك كم كان صبر أمه عظيماً».

بعد هذا المشهد المؤثر عاد لغرفته ليواجه "الوحش" الأخير. فتح حاسوبه. دخل إلى حسابه على موقع التواصل الاجتماعي. آلاف المتابعين، مئات الرسائل المعلقة. كان بإمكانه أن يختفي ببساطة، يغلق الحساب ويهرب. لكن "آدم الجديد" قرر أن يكون شجاعاً. لا بد من إعلان الموقف، لا بد من "فصل الخطاب".

جلس أمام الشاشة، والضوء المنبعث منها ينعكس على وجهه الذي غادرته حدة الغضب التي سيطرت عليه لسنوات. أدرك الآن أن كل تلك السجالات الطويلة لم تكن بحثاً عن الحقيقة، بل كانت محاولة بائسة للهروب من وجعٍ لم يحتمل تفسيره. كان إلحاده "انفعالاً" طويلاً ومريراً، صرخة احتجاج ضد الألم، وليس نتيجة معادلة منطقية كما كان يدعي.

وضع أصابعه على لوحة المفاتيح، وكتب كلماتٍ لم تخرج من ذاكرته، بل من جرحه الذي بدأ يلتئم:

"كنت أظن أنني أحاكم الله بعقلي، فاكتشفت أنني كنت أحاكم نفسي بغضبي. لقد ألبستُ انفعالاتي ثوب المنطق، وسميتُ هروبي تحرراً. كنت أبحث عن الحقيقة بعيداً عن خالقها، فتهت في صحراء الكبرياء، واكتشفت أن أشد أنواع العبودية قسوة هي العبودية لـ (الأنا) وزينة الفكر الزائف."

توقف قليلاً، مسح دمعة خانته، ثم أكمل:

"الليلة الماضية، لم أجد إجابات لكل الأسئلة التي كانت تؤرقني، لكنني وجدت (السكينة) التي تجعل تلك الأسئلة أقل وحشة، وأدركت أن ليس كل ما لا يحيط به عقلي هو خرافة. لستُ واعظاً، ولا أدعي الصلاح، أنا مجرد إنسانٍ أرهقه الوقوف على حافة الهاوية، فقرر أن يمنح روحه فرصة أخرى للحياة في رحاب اليقين. أعتذر لكل من جرحته بكلمة طائشة، وأشفق على من لا يزال يظن أن الإلحاد ذكاء، بينما هو في الحقيقة مجرد 'يتمٍ روحي' لا عزاء فيه. سأغيب لفترة.. لأعيد بناء ما هدمته في سنوات الضياع. السلام عليكم."

ضغط على زر "نشر"، وشعر بشيء غريب.. كأنه ألقى عن كاهله حقيبة مليئة بالحجارة كان يحملها وهو يصعد جبلاً لا قمة له.

حاول الابتعاد عن حاسوبه.. لكن كان عليه أن يواجه ذلك العالم الذي صنع فيه مجده الزائف. فتح صفحته الشخصية، قرأ منشوراته القديمة بمرارة، وشعر بغربة شديدة تجاه ذلك الشخص الذي كان يكتبها. قضى وقتاً طويلاً وهو يحذف المقالات المسمومة، والتعليقات الساخرة، ويرد على رسائل المتابعين الذين كانوا ينتظرون منه "صيداً" جديداً من رحلته للمسجد.

نظر إلى الساعة، كانت تقترب من وقت الظهر. سمع صوت الأذان يرتفع من المسجد القريب. "حي على الصلاة.. حي على الفلاح".

قام آدم، توضأ ببطء مستشعراً برودة الماء وهي تغسل أطرافه وذنوبه، وفرش سجادة الصلاة التي أعطته إياها أمه والدموع تملأ عينيها. وقف باتجاه القبلة. رفع يديه مكبراً. "الله أكبر". كانت تكبيرةً أعلن فيها أن الله أكبر من شكه، أكبر من ذنبه، وأكبر من عقله. وحين سجد.. وضع جبهته على الأرض، وهمس بكلمة واحدة، كررها مراراً وكأنه يتذوقها: "عُدت.. عُدت يا رب.. فاقبلني".