الرئيسية ليلة اليقين الفهرس الفصل 9
الفصل 9

الفصل التاسع: مقهى الغرباء

لم يدم هدوء آدم طويلاً. في مساء ذلك اليوم، اهتز هاتفه معلناً عن مكالمة واردة. الاسم الذي ظهر على الشاشة جعل قلبه ينقبض: "ماجد". ماجد لم يكن مجرد صديق، كان "توأمه الفكري". شريكه في إدارة الصفحات الساخرة، ورفيقه في جلسات السخرية من "الغيبيات". تردد آدم. هل يرد؟ هل هو مستعد لهذه المواجهة الآن؟ تذكر كلمات الشيخ: "المعركة بدأت الآن". أخذ نفساً عميقاً، وضغط زر الإجابة. "ألو..". جاء صوت ماجد من الطرف الآخر، صاخباً وساخراً كعادته: "أهلاً بالعائد من الموت! رأيت منشورك الدرامي.

ما هذا يا رجل؟ هل أصابتك لوثة عقلية أم قررت أن تصبح درويشاً؟ نحن بانتظارك في 'مقهى وسط البلد'، لا تتأخر، لدينا الكثير لنضحك عليه الليلة".

أغلق آدم الخط. كان بإمكانه الرفض، لكنه شعر أن الهروب ليس حلاً. يجب أن يواجه ماضيه لكي يدفنه. ارتدى ملابسه، وخرج.

وصل إلى المقهى المعتاد في وسط المدينة. المكان الذي كان يعتبره سابقاً ملاذه الفكري. بمجرد أن دلف إلى الداخل، صفعته رائحة الدخان الكثيفة، وضجيج الأغاني الصاخبة، وقهقهات الزبائن العالية. شعر بالاختناق. كيف كان يقضي ساعات هنا؟ بدا المكان مظلماً وكئيباً مقارنة بالنور الذي ملأ قلبه صباحاً. رأى ماجد يجلس في الزاوية المعتادة، وحوله شلة من الأصدقاء، وأمامهم طاولة مكدسة بأكواب القهوة والسجائر.

عندما رآه ماجد، وقف مصفقاً بطريقة مسرحية: "وصل التائب! وسعوا للشيخ آدم!". ضحك الجميع. لم يبتسم آدم، بل سحب كرسياً وجلس بهدوء غريب أربكهم.

نظر إليه ماجد، ونفث دخان سيجارته في وجه آدم متعمداً وقال: "هيا احكِ لنا.. أي صدمة عاطفية تعرضت لها؟ هل رفضتك فتاة محجبة فقررت أن تتدين لأجلها؟ أم أنك خفت من قصص عذاب القبر؟ لا تقل لي أن عقلك الجبار، الذي فككنا به نظريات التطور والوجود، قد استسلم لخرافات البدو؟".

نظر آدم في عيني صديقه. رأى فيهما نفس النظرة التي كانت في عينيه هو قبل يومين: نظرة الاستعلاء التي تخفي خواءً مخيفاً. لم يشعر بالغضب، بل شعر بشفقة عميقة. قال آدم بصوت منخفض ولكنه ثابت: "لست مجنوناً يا ماجد، ولم أتعرض لغسيل دماغ. أنا فقط.. استيقظت".

انفجر ماجد ضاحكاً: "استيقظت؟ بل تخدّرت! الدين هو أفيون الشعوب يا صديقي، وأنت عدت لتدمنه لأنك لم تحتمل قسوة الواقع. أنت ضعيف يا آدم. هربت من حرية العقل إلى سجن النصوص".

قال أحد الجالسين متهكماً: "غداً سيطالبنا بإطلاق اللحى وتحريم الموسيقى".

تذكر آدم كيف كان هو نفسه يقول هذا الكلام، وكيف كان يضحك بنفس الطريقة. أدرك الآن مدى سطحية هذا "الغرور الفكري". قال آدم بهدوء: "كنت أظن مثلك أن الحرية هي التمرد على الله. لكنني اكتشفت أننا كنا عبيداً لشهواتنا، ولغرورنا، ولآراء الناس. ماجد.. أخبرني بصدق، هل أنت سعيد؟".

تلاشى ضحك ماجد فجأة. السؤال باغته. أشاح بوجهه وقال بعصبية: "لا تحول الموضوع لمحاضرة تنمية بشرية. السعادة ليست الهدف، الحقيقة هي الهدف. ونحن نملك الحقيقة العلمية".

رد آدم: "أي حقيقة تلك التي تنتهي بالتراب والعدم؟ أي حقيقة تجعل حياتنا بلا معنى ولا غاية؟ لقد جربت طريقك حتى نهايته يا ماجد.. ولم أجد فيه سوى البرد والوحدة. بالأمس فقط، ذقت طعماً للسكينة لم أذقه طوال سنوات إلحادي".

ضرب ماجد الطاولة بيده صائحاً، وقد بدت عروق رقبته نافرة من الغضب: "هذه كيمياء مخ يا آدم! مجرد تفاعلات عصبية نتيجة ضغط نفسي! لا تجعل مشاعرك العابرة تخدعك. تعال نناقش الأمر منطقياً كعادتنا.. أين دليلك المادي على وجود إلهك؟ هات برهانك الذي لا يقبل الشك!".

تأهب الجميع في المقهى للمعركة. كان الصمت قد ساد الطاولات المجاورة، فالكل يعرف أن آدم هو "فارس الجدال" الذي لا يُشق له غبار، وتوقعوا أن ينبري الآن ويسرد الأدلة الكونية والبراهين الفلسفية ويدخل في جدال بيزنطي يمتد للفجر. لكن آدم فعل شيئاً غير متوقع تماماً. ابتسم بهدوء غريب، وهز رأسه نفياً وهو ينظر في عيني ماجد.

"لن أجادلك يا ماجد.. ولن أعطيك براهين مادية".

ذهل ماجد واتسعت عيناه بسخرية: "ماذا؟ هل هربت الحجج؟ هل أعلن العقل استسلامه أمام العاطفة بهذه السرعة؟".

رد آدم بنبرة هادئة ولكنها حادة كالنصل: "لا يا ماجد، الحجج لم تهرب، بل أنا من هربتُ من سجني. دعنا نكون صادقين مع أنفسنا لمرة واحدة بعيداً عن ضجيج المتابعين. كم مرة ناقشنا المسلمين؟ وكم مرة أفحمونا بإجابات منطقية فطرية ولم نرجع؟ وكم مرة قرأنا في إعجاز هذا الكون وشعرنا بداخلنا بصرخة الحقيقة، لكننا قمعناها؟"

خيم صمتٌ ثقيل على الطاولة، تابع آدم وهو يميل بجسده للأمام: "نحن جميعاً نعرف في أعماقنا، خلف ركام هذه الكتب والنظريات، أن الله موجود. نحن نشعر به في كل نبضة، وفي كل زفرة وجع، وفي ذلك الخوف الذي يهاجمنا في ظلام الليل. لكن الكبر يا صديقي.. الكبر هو الذي يمنعنا من الاعتراف. نحن نتشبث بالإلحاد لنستمر في وهمنا، لنشعر بأننا (آلهة) أنفسنا، ولنهرب من مسؤولية الوقوف بين يدي خالقنا. لقد كان إلحادنا (قراراً نفسياً) اتخذناه لنرضي كبرياءنا، ولم يكن يوماً نتيجة بحثٍ علمي صادق".

شحب وجه ماجد، وحاول أن يقاطعه، لكن آدم أكمل بابتسامة واثقة: "أنا اليوم لا أملك لك برهاناً أضعه على الطاولة، لكني أملك (قلباً) كان ميتاً فحيي. هل تستطيع كيمياء مخك أن تفسر لي معنى السكينة التي أشعر بها الآن وأنا أخسر (جمهوري) وأكسب نفسي؟"

ساد صمتٌ ثقيل على الطاولة، وبدا الوجوم على وجوه أصدقائه؛ فكلام آدم لم يضرب عقولهم، بل ضرب ضمائرهم في مقتل. نظر آدم في عيونهم واحداً تلو الآخر، رأى فيها ذلك التيه الذي كان يعيشه بالأمس، وأدرك أن أي كلمة إضافية ستتحول إلى مجرد وقود لجدالٍ عقيم لا يهدف للحق، بل يهدف لترميم كبريائهم الجريح.

وقف آدم بهدوء، ووضع يده في جيبه ليخرج ثمن قهوته التي لم يشربها، ووضعها على الطاولة، ثم قال بنبرةٍ ودودة لكنها حاسمة:

"لم تهرب الحجج يا ماجد، لكنني أدركت أن الجدال الذي يبحث عن الانتصار للنفس لا يورث إلا القسوة، وأن العقل الذي يمتلئ بالغرور لا يرى النور ولو كان في رابعة النهار. الله لا يُدرك بالجدال فقط، بل يُدرك بالقلب الذي يتجرد من الكبر ويطلب الهداية بصدق. لقد ضيعتُ سنواتٍ طويلة في الكلام والضجيج.. أما الآن، فقد انتهى وقت الكلام، وأريد أن أبدأ العمل. أريد أن أعيش حقاً، لا أن أظل مجرد فكرةٍ غاضبة في رأسٍ متعب".

ألقى عليهم نظرة أخيرة، نظرةً تفيض بالشفقة لا بالاستعلاء، ثم استدار ومشى نحو الباب بخطواتٍ واثقة، تاركاً خلفه دخان السجائر، وضجيج الأفكار الميتة، وحياةً كاملة من الوهم لم يعد ينتمي إليها.

تعالت صيحات ماجد المستفزة: "اهرب! اهرب يا جبان! ستعود.. أراهنك أنك ستعود زاحفاً إلينا عندما تفيق من سكرتك!".

لم يلتفت آدم. خرج إلى الشارع. استقبله هواء الليل النقي، فملأ صدره به، طارداً بقايا دخان المقهى. كان يشعر بانتصار عظيم. ليس لأنه أفحمهم بالحجة، بل لأنه انتصر على "رغبته في إفحامهم". لقد كسر صنم "الأنا" الذي كان يعبده. أدرك في تلك اللحظة أن طريقهما قد افترقا للأبد. هو يمشي نحو النور، وهم لا يزالون يدورون في حلقة مفرغة. مشى وحيداً في الشارع، لكنه لم يكن يشعر بالوحدة أبداً.