مرت الفصول سراعاً، وتبدل حال الطقس من زمهرير الشتاء القارس الذي شهد تلك الليلة، إلى ربيعٍ دافئ يكسو المدينة بالألوان. وكما تبدلت الأرض، تبدلت روح آدم.
غرفته التي كانت يوماً ما كهفاً مظلماً للأفكار السوداوية، قد أصبحت الآن واحة للنور. رفوف المكتبة امتلأت بكتب التفسير والسيرة، وبجوارها كتب الفيزياء والفلسفة، لكنه لم يعد يقرأها بعين "المتصيد" للأخطاء، بل بعين "المتدبر" في عظمة الصنع.
وفي يوم من الأيام جلس آدم على مكتبه الخشبي، وأمامه ذلك الدفتر السميك الذي أهداه إياه الشيخ عبد الله. كانت صفحاته قد امتلأت عن آخرها. عامٌ كامل من الكتابة.. عامٌ كامل من تفريغ السموم القديمة، واستنبات اليقين الجديد.
أمسك بقلمه، وتوقفت يده في الهواء قليلاً. إنه السطر الأخير. كيف ينهي حكاية بدأت بالكفر وانتهت بالتسليم؟ كيف يختصر رحلة الألم والدموع والوحشة والأنس في كلمات قليلة؟
تصفح آدم الدفتر سريعاً. قرأ في الصفحات الأولى غضبه، وسخريته، وشعوره بالعبثية. ثم قرأ في المنتصف عن "ليلة المسجد"، وعن دموع الانكسار، وعن خوفه يوم مرضت أمه. وقرأ في الصفحات الأخيرة عن الطمأنينة، وعن لذة مناجاة الله في الثلث الأخير من الليل.
أدرك آدم شيئاً مهماً: هو لم يكن يكتب رواية من وحي الخيال، بل كان يكتب "شهادة ميلاده" الحقيقية.
عاد للصفحة الأخيرة، وكتب بقلبٍ يفيض امتناناً: "يا صديقي القارئ.. لستُ نبياً، ولستُ ملاكاً معصوماً. ما زلت أتعثر، وما زلت أخطئ، لكن الفرق أنني لم أعد تائهاً في الظلام. صرت أعرف الطريق إلى الباب إذا اتسخت ثيابي بالدنيا. لقد كنت أظن أنني أبحث عن إجابات لأسئلتي العقلية، لكنني اكتشفت أنني كنت أبحث عن 'من يسمع' أنين روحي. لم يكن الدين يوماً كبتاً للحرية، بل كان تحريراً للروح من عبودية المادة. في تلك الليلة، دخلت المسجد لأهزم شيخاً، فخرجت وقد هزمت كبريائي. دخلت لأثبت أن رواية الكون ناقصة وعبثية، فخرجت لأبدأ كتابة فصلي الجديد في رواية اليقين.
وضع النقطة الأخيرة. ثم أغلق الدفتر برفق، ومرر يده على غلافه، وكتب العنوان بخط عريض وواضح: "ليلة اليقين".
تنفس الصعداء. شعر بحمل ثقيل ينزاح عن كاهله، وحل محله شعور خفيف ومبهج.. شعور "الإنجاز". لقد وفى بوعده للشيخ، ووفى بحق نفسه.