مرت ستة أشهر على تلك الليلة في المقهى. ستة أشهر لم يسمع فيها آدم صوت صديقه ماجد، ولم يرَ وجهه. كان يدعو له في سجوده كل ليلة، يسأل الله أن يهديه كما هداه، وأن يُذيقه حلاوة اليقين التي أنقذته من الغرق.
في ليلة ماطرة تشبه تلك الليلة الأولى، رنّ هاتف آدم. نظر إلى الشاشة.. "ماجد". ارتجف قلبه. هل جاء ليسخر مجدداً؟ هل جاء ليثبت أنه كان على حق؟ تردد لحظة، ثم أجاب.
"آدم..". كان صوت ماجد مختلفاً تماماً. لا سخرية، لا استعلاء. كان صوتاً مكسوراً، يشبه صوت طفلٍ تاه في الظلام. "أحتاج أن أراك.. الآن. أرجوك".
شعر آدم بقشعريرة غريبة. هذا ليس ماجد الذي يعرفه. قال بهدوء: "أين أنت؟".
"في الحديقة.. قرب بيتك القديم. تعال وحدك".
وجده جالساً على مقعد خشبي تحت شجرة عتيقة، وجهه يغرق في راحتيه. المطر الخفيف يبلل شعره الأشعث، لكنه لا يبالي. اقترب آدم ببطء وجلس بجواره بصمت. لم يقل شيئاً. انتظر.
مرت دقائق طويلة، ثم رفع ماجد رأسه. كانت عيناه حمراوين منتفختين، ووجهه شاحباً كالموتى. نظر لآدم نظرة لم يرها فيه من قبل.. نظرة الغريق الذي يستجدي طوق نجاة.
"ماتت أمي يا آدم..". خرجت الكلمات مختنقة بالدموع. "ماتت وهي تدعو لي بالهداية. ماتت وأنا أسخر منها كلما رأيتها تصلي. آخر كلمة قالتها كانت: 'يا رب اهدِ ولدي'.. ثم أغمضت عينيها".
انهار ماجد في نشيج عنيف هزّ جسده كله. كأن كل تلك السنوات من الكبرياء والسخرية قد تحطمت دفعة واحدة على صخرة الموت. واصل بصوت مرتجف: "جلست بجوار جثتها ساعات.. ولم أستطع أن أقول شيئاً. لم أستطع أن أدعو لها لأنني لا أؤمن بمن أدعوه! شعرت بالجنون يا آدم. أمي ذهبت إلى العدم، وأنا سأذهب إلى العدم، وكل شيء عبث!".
صمت آدم وهو يتأمل وجه صديقه المنهار. تذكر نفسه قبل سنوات، جالساً على حافة نفس الهاوية. قال ماجد وهو يمسح وجهه بيده المرتعشة: "أسوأ ما في الأمر أنني حاولت أن أقنع نفسي أنها مجرد كتلة لحم وعظام تحللت، وأن مشاعري مجرد تفاعلات كيميائية ستزول.. لكنني لم أستطع! قلبي يرفض هذا الكلام! أمي ليست مجرد 'مادة'.. أمي كانت روحاً، وحباً، ودعوات لم أستحقها!".
التفت لآدم فجأة، وأمسك بياقة معطفه بقوة يائسة: "أخبرني يا آدم.. أخبرني أنها في مكانٍ ما الآن! أخبرني أن دعواتها لم تذهب هباءً! أخبرني أن هناك عدلاً في هذا الكون! أخبرني أنني سألقاها مرة أخرى!".
ابتسم آدم ابتسامة ممزوجة بالدموع. تذكر ليلته في المسجد، وتذكر كلمات الشيخ عبد الله. قال بصوت رخيم هادئ: "نعم يا ماجد.. أمك الآن في رحمة الله. ولم يضع من دعائها شيء، فها أنت أمامي الآن، وقلبك ينفطر بحثاً عنه.. هذه هي استجابة دعائها".
اتسعت عينا ماجد، وكأنه فهم شيئاً للمرة الأولى. واصل آدم: "أتعرف ما الذي أوصلك إلى هنا الليلة؟ ليست الفلسفة، ولا البراهين المادية، ولا نظريات التطور. بل قلب أم أحبتك، ودعوة صادقة خرقت السماوات. الله لم يتركك يا ماجد..
ساد صمت طويل. كانت قطرات المطر تنهمر على وجهيهما، لكن أياً منهما لم يتحرك. ثم قال ماجد بصوتٍ أشبه بالهمس: "أريد أن أشهد أن لا إله إلا الله يا آدم.. أريد أن أصلي على أمي قبل فوات الأوان. أريد.. أريد أن أستحق دعواتها".
احتضنه آدم بقوة. بكيا معاً تحت المطر. ثم قال آدم وهو يربت على ظهره: "قلها يا ماجد.. قلها الآن".
أغمض ماجد عينيه، ورفع وجهه للسماء، ونطقها بكل ما فيه من شوقٍ وندمٍ وحنين: "أشهد أن لا إله إلا الله.. وأشهد أن محمداً رسول الله".
في تلك اللحظة، اشتد المطر فجأة، كأن السماء تبكي فرحاً بعودة غريب طال غيابه. قال آدم وهو يبتسم عبر دموعه: "مبارك يا ماجد.. الآن هيا بنا، لدينا صلاة جنازة ننتظرها، ودعوات كثيرة يجب أن ترسلها لأمك".
قاما من المقعد ومشيا معاً في الليل الماطر. كانت خطوات ماجد ثقيلة من وطأة ما حدث، لكنها كانت خطوات من يسير نحو النور أخيراً. التفت لآدم وسأل بصوت متهدج: "هل تظن أنها سامحتني؟ هل تظن أنها ترى ما يحدث الآن؟".
قال آدم وهو يضع يده على كتفه: "إن لم تكن قد سامحتك وهي حية، فقد دعت لك. وإن كانت ترى ما يحدث الآن، فأنا متأكد أنها أسعد أهل البرزخ الليلة. لقد استُجيب دعاؤها يا ماجد، وهذا أعظم هدية يمكن أن تقدمها لها".