مرت أسابيع قليلة عاش فيها آدم في "هدنة" جميلة مع الحياة. كان يستيقظ للفجر، يقرأ ورده، ويذهب لعمله الجديد في مكتبة صغيرة، ثم يعود ليقضي المساء في خدمة والدته. كان يظن أن التوبة تعني أن الحياة ستصبح وردية، وأن المشاكل ستختفي، وأن السماء ستمطر عليه حلولاً سحرية مكافأةً له على عودته.
لكنَّ الأقدارَ تجري بما لا تُحيط به أمانينا، فالدنيا مجبولةٌ على كدَر.
في مساء يوم الثلاثاء، عاد آدم من عمله حاملاً بيده كيساً من الفاكهة التي تحبها والدته. فتح الباب منادياً بابتسامته المعتادة: "يا ست الكل.. جئت لكِ بالـ...". لم يكمل جملته. سقط الكيس من يده، وتدحرج التفاح على الأرض في مشهد عبثي. وجد والدته ملقاة في ممر الشقة الضيق، وجهها شاحب كالجدار، وصدرها يعلو ويهبط بصعوبة بالغة، ويدها تضغط على قلبها بألم.
"أمي!". صرخ آدم، وقفز نحوها. كان جسدها بارداً، وعيناها زائغتين. "آدم.. صدري.. نار.." همست بصوت مخنوق قبل أن تغيب عن الوعي.
عاد الكابوس. عادت سيارة الإسعاف، وعادت الصفارات المرعبة تشق سكون الليل، وعادت الأضواء الحمراء الدوارة التي تصبغ الجدران بلون الدم. جلس آدم بجوار المسعفين، يمسك يد أمه الباردة. في تلك اللحظات، بدأ "الشيطان" يهمس في أذنه بصوت سمعه بوضوح وكأنه يجلس بجانبه: "ألم تعد إليه؟ ألم تصلِ وتصم وتتب؟ انظر كيف يكافئك! ها هو يأخذ منك البقية الباقية. إنه يعذبك. لو كان يحبك لشفى أمك إكراماً لتوبتك. لا فائدة.. أنت منحوس".
أغمض آدم عينيه بقوة، وهز رأسه ليطرد الصوت. "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. يا رب ثبتني".
وصلوا للمستشفى. نفس الرائحة.. "المعقمات". نفس البرودة في الممرات. نفس وجوه الممرضات المتجهمة. كأن الزمن يعيد نفسه ليعيد آدم إلى نقطة الصفر. أدخلوها العناية المركزة. ووقف آدم أمام نفس الباب الذي وقف أمامه يوم وفاة والده.
خرج الطبيب بعد ساعة بدت كالدهر. كان شاباً، ملامحه جادة. اندفع آدم نحوه: "طمئني يا دكتور؟". قال الطبيب بأسف: "جلطة حادة في الشريان التاجي. الوضع حرج جداً.. الـ 24 ساعة القادمة حاسمة. ادعُ لها".
"ادعُ لها". الجملة التي فجرت إلحاده سابقاً. تراجع آدم للخلف، واستند بظهره إلى الجدار البارد، ثم انزلق حتى جلس على الأرض. وضع رأسه بين ركبتيه. كان الاختبار قاسياً، ومفصلاً على مقاس جرحه القديم تماماً.
شعر بغضبٍ قديم يحاول التمرد في صدره. "لماذا الآن يا رب؟ لقد بدأتُ للتو أتذوق طعم القرب منك.. لا تكسرني مرة أخرى". لكنه تذكر كلام الشيخ عبد الله في جلستهما الخاصة: "الله لا يبتليك ليعذبك، بل ليهذبك. الذهب لا يلمع إلا إذا دخل النار.. والمؤمن لا يشتد عوده إلا إذا وضع تحت مطرقة البلاء. الفرق بين المؤمن والكافر ليس في (وقوع) المصيبة، بل في (استقبالها). الجاحد يقول: لماذا أنا؟ والمؤمن يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون".
رفع آدم رأسه. كانت عيناه دامعتين، لكنهما لم تكونا يائستين. قام من مكانه، وتوجه ليس إلى الطبيب، ولا إلى الاعتراض.. بل توجه إلى "المصلى" الصغير في ركن المستشفى.
كان المصلى فارغاً. فرش آدم سجادة، ووقف بين يدي الله. لم يقل "يا رب اشفها وإلا سأكفر". لم يضع شروطاً على ربه هذه المرة. سجد، واختلطت دموعه بكلماته: "يا رب.. أنت تعلم أني أحبها، وهي كل ما تبقى لي في هذه الدنيا.. اللهم اشفها وعافها.. ولكن..". سكت قليلاً، يغالب نشيجه، ثم أكمل بصدق زلزل كيانه: "ولكن.. إن كنتَ قضيتَ بأخذ أمانتك، فإني راضٍ. لن أكفر بك، ولن أترك بابك. أنت ربي إن أعطيت، وأنت ربي إن أخذت. قلبي يحترق ألماً، لكنه ممتلئ يقيناً بحكمتك. لا تفتني في ديني يا الله.. لا تفتني".
ظل ساجداً وقتاً طويلاً، يفرغ كل مخاوفه وشكوكه على سجادة الصلاة، ويستبدلها بالسكينة. عندما رفع رأسه وسلم، شعر ببرودة عجيبة في صدره. النار التي كانت تشتعل خوفاً قد خمدت. لقد فوض الأمر لصاحب الأمر.
خرج من المصلى، وعاد للجلوس أمام غرفة العناية. أخرج مصحفه الصغير، وبدأ يقرأ سورة "يوسف". قرأ عن يعقوب الذي فقد ابنه سنين طويلة ولم يفقد الأمل، وقال: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ}. فهم الآن معنى "الصبر الجميل". هو الصبر بلا شكوى للخلق، وبلا سخط على الخالق.
مر الليل بطيئاً وثقيلاً. رأى مرضى يموتون، وسمع صرخات أهاليهم. رأى الحياة عارية بلا رتوش. ومع بزوغ الفجر، انفتح باب العناية المركزة. خرج الطبيب، وعلى وجهه ابتسامة مرهقة. وقف آدم، وقد جهز نفسه لكل الاحتمالات. قال الطبيب: "سبحان الله.. استجابت للعلاج بشكل مذهل في الساعات الأخيرة. الخطر زال، استعادت وعيها وتسأل عنك".
لم يصرخ آدم فرحاً، لم يقفز. بل أغمض عينيه، وابتسامة هادئة، عميقة، ارتسمت على شفتيه، وسالت دمعة واحدة على خده. همس بصوت لم يسمعه إلا الله: "الحمد لله.. في السراء والضراء.. الحمد لله".
دخل ليرى أمه. كانت الأجهزة لا تزال تحيط بها، لكنها نظرت إليه وابتسمت بوهن. أمسك يدها وقبلها. في تلك اللحظة، أدرك آدم أنه نجح في الاختبار. لقد مات "آدم القديم" تماماً تحت مطرقة الخوف الليلة، وولد "آدم المؤمن" الذي لا تهزه رياح الشك، لأنه يتمسك بيقين من عرف الله مقدر الأقدار.