ساد صمتٌ مطبق في القاعة، أعمق وأثقل من أي صمت مضى. لم يكن صمت فراغ، بل صمت امتلاء؛ كأن الملائكة قد نزلت لتسمع ما سيقوله هذا القلب المتمرد. كان الجميع يسمعون صوت أنفاس آدم المتسارعة، التي بدت وكأنها استغاثة غريق يصارع الموج لآخر مرة.
تسمر آدم في مكانه. كلمات الشيخ الأخيرة "رواية ناقصة" و "نكتة سمجة" كانت تدور في رأسه كأصداء جرس ضخم. عادت صورة والده إلى مخيلته، لكن هذه المرة ليست صورة الموت والعدم التي كانت تطارده في كوابيسه. تذكر ذلك الرجل التقي الذي قضى عمره يطرق أبواب الحلال مهما ضاقت، والذي كان يقتطع من لقمته ليطعم مسكيناً، ويقف في ليله مناجياً رباً لم يره يوماً لكنه آمن به بصدق.
تخيل والده الآن يقف في "الفصل الأخير" من الرواية، يبتسم بوقاره المعهود، وقد عُوض عن كل دقيقة ألم، وعن كل زفرة وجع، وعن كل جنيه حلال آثره على مالٍ مشبوه.
"العدالة.." همس آدم في سره، وشعر بقشعريرة تسري في جسده. "هل يعقل أن يذهب صلاحه وصبره وسجوده هباءً؟ هل تنتهي قصة هذا الرجل العظيم تحت التراب كأنه لم يكن؟".
ثم استطرد بمرارةٍ بدأت تتلاشى أمام نور الحقيقة: "بدون الله، أبي مجرد جثة تعفنت وانتهى أثرها، وفعلُه للخير لم يكن سوى وهمٍ لا قيمة له. ومع الله.. أبي الآن في مكان ما، يُكافأ على صدقه ويُجبر على انكساره.. وأنا، لا بد أن ألحق به في ذلك الطريق".
لاحظ الشيخ تلك اللمعة المنكسرة في عيني آدم حين طاف طيف والده بالخاطر، فخفض صوته ليصبح أكثر قرباً من قلبه، وقال برفقٍ شديد:
"يا بني.. أراك تسرعت في إلقاء ثياب إيمانك لمجرد أن الابتلاء مسَّ أعزّ ما تملك. لقد ظننتَ أن الإيمان (عقد مصلحة) يضمن لك بقاء من تحب، ونسيتَ أننا جميعاً ضيوفٌ في هذه الدار، وأن الموت ليس عقاباً، بل هو البوابة الوحيدة للعودة إلى الوطن."
أخذ الشيخ نفساً عميقاً ثم تابع: "أكان جزاء والدك التقي، ذلك الرجل الذي زرع فيك بذرة الخير وحرص على الحلال، أن تنقلب أنت على ربه بمجرد رحيله؟ لقد أخطأتَ في فهم (العدل الإلهي) يا آدم؛ فالله لم يأخذ والدك ليحرمك، بل نقله من دار الفناء إلى دار البقاء. تسرعتَ حين ظننتَ أن الإيمان صفقة تنقضها إذا رفض طلبك، بينما كان هذا الموقف إعداداً لك لتنضج، ولتعلم أن الله يُعبد لأنه الله، لا لأنه يحقق لنا كل ما نشتهي وقتما نشتهي."
صمت الشيخ لحظة ليترك للكلمات مفعولها، ثم همس: "والدك الآن ينتظر منك دعاءً أو صدقة، لا تمرداً وجحوداً. فهل تتركه وحيداً هناك لأنك لم تفهم معنى الابتلاء هنا؟"
فجأة، شعر آدم بضآلة حجمه أمام هذا الكون الفسيح. شعر بسخافة كبريائه. من هو ليحاكم الله؟ من هو ليعطي معنى للكون بعقله المحدود؟ نظر إلى الأرض، وقد اختفى بريق الغرور من عينيه تماماً، وحل محله انكسار الباحث عن الحقيقة الذي وصل أخيراً إلى الباب.
رفع رأسه ببطء، ونظر للشيخ. لم يرَ فيه خصماً هذه المرة، بل رأى يداً ممدودة في الظلام. تمتم آدم بصوت مبحوح، خرج بصعوبة من حنجرة اختنقت بالعبرات: "رواية ناقصة... نعم، ستكون عبثاً لو انتهت هكذا. لم أفكر في الأمر بهذه الطريقة من قبل. فكرة العدالة المطلقة... إنها مخيفة.. ومريحة في آن واحد".
اقترب الشيخ أكثر نحو آدم حتى صار ملاصقاً له. لم يوبخه، لم يقل له "ألم أقل لك؟"، بل وضع يده الدافئة الثقيلة على كتف الشاب المرتجف، وقال برفق الأب: "يا بني، عقلك يرفض العبث، وفطرتك تصرخ طلباً للعدل. هذا الصراع في داخلك ليس وهمًا، بل هو دليل بحد ذاته. إنه دليل على أنك حي، وأن الله يريد لك الهداية.. الباب مفتوح، والله لا يرد قادماً، ولا يغلق باباً في وجه سائل".
لم يتحمل آدم المزيد. ثقل اليد الدافئة على كتفه كان القشة التي قصمت ظهر البعير.. أو بالأحرى، القشة التي قصمت ظهر "الشيطان" بداخله. تهاوت ركبتاه، وجلس على حافة درجات المنبر، غارقاً في دموع صامتة حارة. بكى كما لم يبكِ يوم وفاة والده. كان يبكي قسوة قلبه، ويبكي السنوات التي ضاعت في التيه، ويبكي شوقاً لشيء كان يفتقده دون أن يعرف اسمه.
وفي تلك اللحظة الروحانية، انطلق صوت القارئ الشاب من زاوية المسجد، يتلو آياتٍ لم يخترها عبثاً، بل نزلت كالغيث البارد على القلوب المحترقة:
تردد صدى الآيات في جنبات المسجد، وفي تجاويف روح آدم. {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ}.. شعر آدم بالكلمة ترفعه من وحل المادة إلى سماء المعنى. بكى الناس لبكائه، وارتفعت أصوات النشيج. لم يكن بكاء خوفٍ فحسب، بل بكاء من وجد ضالته بعد طول تيه. كانت ليلةً لم يعد فيها الشاب كما دخل، ولم يعد الحاضرون كما كانوا، فقد رأوا بأم أعينهم كيف ينهزم الشك البارد أمام صولة اليقين الدافئة.
مسح آدم وجهه بكفيه، ورفع نظره للشيخ، وقال كلمة واحدة، كانت هي بداية روايته الحقيقية: "دلّني..".