كانت الرياح تعوي في الشوارع الخالية كذئب جريح، تضرب وجه آدم بقسوة وتجبره على طأطأة رأسه وحشر يديه في جيوب معطفه. لم يكن البرد هو ما يؤلمه، بل تلك القشعريرة المألوفة التي تسري في عموده الفقري كلما هبط الشتاء.
إنه نفس البرد.. ونفس الرائحة. رائحة المطر المختلط بالتراب، التي تذكره برائحة "المعقمات" الكيميائية النفاذة في ممرات المستشفى الطويلة والباردة قبل ثلاث سنوات.
لم يكن طيف والده قد فارقه منذ استيقظ من ذلك الكابوس. كان وجهه الحزين يطارده في كل خطوة، وكلماته تدق في رأسه كالمطرقة: "الطريق الذي تمشيه ينتهي إلى لا شيء". لكن آدم كان يعرف كيف يحوّل الألم إلى غضب، والشوق إلى حقد. فبدلاً من أن يركع تحت وطأة الكابوس، استدعى الذكرى التي أقنع بها نفسه أن دعاءه ذهب هباءً، وأنه لا جدوى من الإيمان بالله.
توقف آدم لحظة تحت عمود إنارة يصارع العتمة بضوء متقطع. أغمض عينيه، فوجد نفسه لا يقف في الشارع، بل يقف هناك مجدداً.. أمام غرفة العناية المركزة رقم 304.
عاد به الزمن ثلاث سنوات إلى الوراء.. إلى تلك الليلة.كان آدم وقتها شخصاً آخر تماماً.. شابٌّ بقلبٍ نقي، لا تفوته صلاة، ولسانه رطبٌ بذكر الله. يؤمن أن الدعاء سلاحٌ لا يُردّ، وأن أبواب السماء لا تُغلق في وجه المضطر.
في الداخل، كان والده - الرجل الذي كان سنده وظهره - يذوي ببطء، ينهشه المرض الخبيث بلا رحمة. الأجهزة الطبية تُطلق صفاراتها المنتظمة كنبض الموت البطيء، وأنابيب التنفس تخفي ملامح الرجل الذي كان يملأ البيت ضحكاً وحياة
يتذكر آدم كيف جثا على ركبتيه في زاوية الغرفة، ودموعه تبلل سجادة الصلاة. يتذكر كيف عقد "صفقة" وقال: "يا رب.. أنت القادر على كل شيء. الطب عجز، وأنت لا تعجز. خذ من عمري وأعطه.. خذ من عافيتي واسكبها في جسده. فقط لا تأخذه مني الآن. لست مستعداً لليتم.. لست مستعداً للوحدة".
كان يوقن بالإجابة. كان ينتظر المعجزة. تخيل المشهد ألف مرة: والده يفتح عينيه، يبتسم، ويقول له إنّ الألم قد زال.
لكن.. لم يحدث شيء. استمر الخط البياني على الشاشة في التذبذب بضعف، ثم.. تحول إلى خط مستقيم طويل مصحوب بصفارة حادة، أعلنت نهاية كل شيء.
مات الأب. ومات شيء ما داخل آدم في تلك اللحظة. نظر إلى السقف الأبيض بعينين جافتين من الدموع، مليئتين بالذهول. شعر ببرودة الجليد تسري في عروقه. سأل بصوت لم يسمعه أحد: "لماذا؟ كنت أدعوك بقلب محترق.. فلماذا شعرتُ أن لا أحد يسمعني؟
في تلك الليلة، لم يدفن آدم والده فقط، بل دفن يقينه. خرج من المقبرة وهو يهمس لنفسه: "لا أحد يستمع. نحن نصرخ في وادٍ سحيق، والصدى هو ما نسميه إجابة. إن كان هناك إله، فلماذا لم يُنقذه؟.. وإن لم يكن، فالموت مجرد عملية بيولوجية قاسية. وفي الحالتين، أنا وحدي".
فتح آدم عينيه فجأة على صوت تلاوة الإمام أثناء الصلاة التي شارفت على الانتهاء، عائداً إلى واقع الشارع المظلم. مسح قطرة مطر باردة سقطت على وجنته بعنف، وكأنه يمسح تلك الذكرى. تمتم آدم بصوت مسموع، وكأنه يخاطب شبح نفسه القديم. "كنت ضعيفاً يا آدم، تستجدي النجاة من السماء. لكنك الآن أقوى. لقد تحررت من انتظار الإجابات التي لم تأتِ كما أردتها".
لفّ المعطف حوله بإحكام، واستأنف سيره بخطوات أسرع وأكثر غضباً. صوت حذائه يضرب الأسفلت المبلل بإيقاع عسكري. كانت ذكرى والده هي الوقود الذي ييُذكي نار غضبه. إنه ذاهب إلى المسجد الآن ليس فقط ليحرج الشيخ، بل لينتقم من تلك الليلة.
كان يدرك تماماً النتيجة التي تنتظره؛ هو يعرف أن المسجد ليس قاعة للفلسفة، بل هو "عرين" هؤلاء الذين لا يقبلون التشكيك. ذهب وهو يوطن نفسه على الطرد أو حتى الضرب، بل ربما كان يتمناهما سرّاً ليكون لديه عذرٌ نهائي أمام ضميره ليغلق هذا الملف للأبد.
كان يريد أن يكسر "سلامهم" النفسي لأن قلبه يفتقده، يريد أن يجرهم إلى منطقة "البرد" والشك التي يعيش فيها، لكي لا يظل وحيداً في عذابه. بالنسبة لآدم، لم تكن هذه الرحلة نحو المسجد "بحثاً عن إجابة"، بل كانت صرخة احتجاجٍ يائسة في وجه المسلمين، واصطداماً متعمداً بحائط اليقين ليرى إن كان سينكسر هو.. أم ينكسر الحائط.
يريد أن يصرخ في وجوه المصلين: "أنتم تضيعون وقتكم في مناجاة الغيب! ما من أحد يسمعكم! انقذوا أنفسكم من خيبة الأمل المرة قبل فوات الأوان".
وصل إلى الشارع الذي فيه المسجد. توقف.
نظر إلى المبنى من بعيد. الأنوار تتسرب من نوافذه، "ما الذي أفعله؟"
فكّر في الدخول، ثم في الانسحاب. قدمه اليمنى تريد التقدم، واليسرى تريد الهروب.
تذكر الكابوس. والده يقول: "الطريق الذي تمشيه ينتهي إلى لا شيء."
"لكنني لا أبحث عن شيء!" همس بغضب. "أبحث عن الحقيقة فقط."
ثم سأل نفسه: "وماذا لو كانت الحقيقة هناك؟ خلف ذلك الباب؟"
هزّ رأسه. "لا. سأدخل لأثبت أنها ليست هناك. سأدخل لأُنهي هذا الصراع."
أحكم قبضته على أطراف المعطف، وأكمل المشي نحو المسجد بخطوات أسرع، كأنه يخاف أن يتراجع إن أبطأ.
اقترب من مبنى المسجد. كانت الأنوار الدافئة تتسرب من نوافذه الزجاجية الملونة، وتلقي بظلال ناعمة على الرصيف المبتل. سمع صوت الشيخ عبد الله عبر مكبرات الصوت، سمع صوت الشيخ يُسلّم تسليمتي الصلاة: "السلام عليكم ورحمة الله". ثم همهمات الحاضرين وهم يُردّدون الأذكار. بعد لحظات، علا صوت الشيخ من جديد، رخيماً هادئاً، يفتتح درساً عن الرحمة والابتلاء، وأصوات الحاضرين المتأثرة بكلامه.
غمرته سخرية مريرة. "الرحمة.." همس باحتقار. "سأريكم معنى الرحمة في عالم تحكمه قوانين الغابة".
وضع يده على مقبض الباب الخشبي الضخم للمسجد. كانت برودة المعدن تلسع كفه. أخذ نفساً عميقاً ملأ رئتيه بالهواء البارد، واستعد للمعركة. دفع الباب.. ودخل.